تشهد العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية حالة من التوتر المتصاعد، على خلفية تهديدات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة على دول أوروبية، في حال عدم موافقتها على بيع جزيرة غرينلاند للولايات المتحدة.
هذا التهديد الذي وصفته عواصم الاتحاد الأوروبي بأنه “ابتزاز سياسي واقتصادي”، دفع القادة الأوروبيين إلى دراسة فرض رسوم جمركية انتقامية على الواردات الأمريكية بقيمة تقدر بنحو 93 مليار يورو.
وجاء هذا التصعيد في وقت كان من المقرر أن تتجه العلاقات بين الجانبين نحو مفاوضات تجارية طويلة ومعقدة، تهدف إلى كبح النزاعات الجمركية التي تصاعدت خلال السنوات الماضية.
وكانت الإدارة الأمريكية قد فرضت في السابق تعريفات جمركية على واردات الصلب والألمنيوم الأوروبية، كما استهدفت بضائع أوروبية أخرى تحت شعار “تحقيق عدالة تجارية” لصالح الشركات الأمريكية، ما أثار ردود فعل قوية في بروكسل وباريس وبرلين ومدن أوروبية أخرى.

وفي رد سريع على تهديدات ترامب، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي موحد في مواجهة تلك التهديدات، وأن القادة الأوروبيين ملتزمون بحماية سيادتهم الاقتصادية وعدم قبول أي محاولات ابتزاز من الجانب الأمريكي. وأضافت أن الاتحاد مستعد لاتخاذ إجراءات مضادة من شأنها أن توازن التأثيرات السلبية المحتملة على الاقتصادات الأوروبية.
وتشير التحليلات الأوروبية إلى أن أي رسوم انتقامية محتملة قد تشمل مجموعة واسعة من السلع الأمريكية، وقد تمتد لتطال قطاعات حيوية مثل المنتجات الصناعية والطاقة والمواد الغذائية، فضلاً عن السوق التكنولوجي. وهو ما قد يوسع رقعة التوتر بين الطرفين، ويحول النزاع إلى حرب تجارية أوسع إذا لم يتم احتواؤه عبر حوار دبلوماسي يفضي إلى تسوية.
من جانبها، اعتبرت عدة دول أوروبية، من بينها فرنسا وألمانيا والدول الإسكندنافية، أن تهديدات الولايات المتحدة بفرض رسوم تصل إلى 25% على البضائع الأوروبية في حال عدم التوصل إلى حل في ملف غرينلاند، يعد خطوة “خطأ استراتيجي” يهدد استقرار العلاقات عبر الأطلسي، ويضع التعاون داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في موقف صعب.
وفي ظل هذه التطورات، تتزايد المخاوف الاقتصادية من هبوط الاستثمار وتراجع الأسواق المالية في أوروبا والولايات المتحدة، نتيجة احتمال اندلاع حرب تجارية تؤثر سلبًا على سلاسل التوريد العالمية. ويأتي ذلك في وقت تتسم فيه العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم بالاعتماد المتبادل الكبير، ما يجعل أي تصعيد في الرسوم الجمركية محفوفًا بتداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي.
ويُنظر إلى هذا المشهد على أنه تحول خطير في العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إذ لم تعد القضايا الاقتصادية مجرد خلافات تجارية عابرة، بل أصبحت جزءًا من صراعات جيوسياسية أوسع تشمل مسائل السيادة والتحالفات الاستراتيجية والتوازنات الاقتصادية الدولية، ما يضع العالم أمام احتمالات غير مسبوقة في شكل التعامل بين القوى الكبرى.