تحتفل مصر هذا العام بالذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة، مناسبة وطنية تحمل في طياتها فخرًا واعتزازًا بتاريخ طويل من التضحية والعطاء.
وتحيي وزارة الداخلية ، في الخامس والعشرين من يناير من كل عام، عيد الشرطة، تخليدًا لذكرى واحدة من أهم المحطات الوطنية في تاريخ جهاز الشرطة، حين سطر رجالها ملحمة بطولية في الدفاع عن الوطن والكرامة.
ترجع جذور الاحتفال بعيد الشرطة إلى 25 يناير 1952، يوم رفضت قوات الشرطة المصرية في محافظة الإسماعيلية تسليم أسلحتها لقوات الاحتلال البريطاني، التي حاصرت مبنى محافظة الإسماعيلية وقسم الشرطة، مطالبة بإخلائه.
ويعد هذا اليوم تخليدَا لذكري مجزرة الإسماعيلية الذى ذهب ضحيتها خمسون شهيدًا وثمانون جريحًا من رجال الشرطة المصرية علي يد الإحتلال الإنجليزي في 25 يناير عام 1952 بعد أن رفض رجال الشرطة بتسليم سلاحهم وإخلاء مبني المحافظة للإحتلال الإنجليزي.
وبدأت قصة معركة الشرطة فى صباح يوم الجمعة الموافق 25 يناير عام 1952، حيث قام القائد البريطانى بمنطقة القناة "البريجادير أكسهام" باستدعاء ضابط الاتصال المصرى، وسلمه إنذارا لتسلم قوات الشرطة المصرية بالإسماعيلية أسلحتها للقوات البريطانية، وترحل عن منطقة القناة وتنسحب إلى القاهرة فما كان من المحافظة إلا أن رفضت الإنذار البريطانى وأبلغته إلى فؤاد سراج الدين، وزير الداخلية فى هذا الوقت، والذى طلب منها الصمود والمقاومة وعدم الاستسلام.
وكانت هذه الحادثة أهم الأسباب فى اندلاع العصيان لدى قوات الشرطة أو التى كان يطلق عليها بلوكات النظام وقتها، وهو ما جعل إكسهام وقواته يقومان بمحاصرة المدينة وتقسيمها إلى حى العرب وحى الإفرنج، ووضع سلك شائك بين المنطقتين بحيث لا يصل أحد من أبناء المحافظة إلى الحى الراقى مكان إقامة الأجانب.
وجدير بالذكر أن هذه الأسباب ليست فقط ما أدت لاندلاع المعركة بل كانت هناك أسباب أخرى بعد إلغاء معاهدة 36 فى 8 أكتوبر 1951 غضبت بريطانيا غضبا شديدا واعتبرت إلغاء المعاهدة بداية لإشعال الحرب على المصريين ومعه أحكام قبضة المستعمر الإنجليزى على المدن المصرية ومنها مدن القناة والتى كانت مركزا رئيسيا لمعسكرات الإنجليز وبدأت أولى حلقات النضال ضد المستعمر وبدأت المظاهرات العارمة للمطالبة بجلاء الإنجليز.
وفى 16 أكتوبر 1951 بدأت أولى شرارة التمرد ضد وجود المستعمر بحرق النافى وهو مستودع تموين وأغذية بحرية للانجليز كان مقره بميدان عرابى وسط مدينة الإسماعيلية، وتم إحراقه بعد مظاهرات من العمال والطلبة والقضاء علية تماما لترتفع قبضة الإنجليز على أبناء البلد وتزيد الخناق عليهم فقرروا تنظيم جهودهم لمحاربة الانجليز فكانت أحداث 25 يناير 1952.
وبدأت المجزره الوحشية الساعة السابعة صباحا وانطلقت مدافع الميدان من عيار 25 رطلا ومدافع الدبابات (السنتوريون) الضخمة من عيار 100 ملليمتر تدك بقنابلها مبنى المحافظة وثكنة بلوكات النظام بلا شفقه أو رحمة وبعد أن تقوضت الجدران وسالت الدماء أنهارا، أمر الجنرال إكسهام بوقف الضرب لمدة قصيرة لكى يعلن على رجال الشرطة المحاصرين فى الداخل إنذاره الأخير وهو التسليم والخروج رافعى الأيدى وبدون أسلحتهم وإلا فإن قواته ستستأنف الضرب بأقصى شدة.
وتملكت الدهشة القائد البريطانى المتعجرف حينما جاءه الرد من ضابط شاب صغير الرتبة لكنه متأجج الحماسة والوطنية، وهو النقيب مصطفى رفعت، فقد صرخ فى وجهه فى شجاعة وثبات: لن تتسلمونا إلا جثثا هامدة. واستأنف البريطانيون المذبحة الشائنة فانطلقت المدافع وزمجرت الدبابات وأخذت القنابل تنهمر على المبانى حتى حولتها إلى أنقاض، بينما تبعثرت فى أركانها الأشلاء وتخضبت أرضها بالدماء الطاهرة.
وفي 25 يناير 1952 أسفرت عملية عسكرية عرفت فيما بعد بموقعة الإسماعيلية قام بها 1500 جندي بريطاني في منطقة قناة السويس لنزع سلاح شرطة الإسماعيلية المساعدة عن الإعلان عن مقتل 42 عنصراً من القوة المصرية وإصابة ثمانية وخمسين آخرين.
بينما فقد الإنگليز ثلاثة قتلى وثلاثة عشر جريحًا، وهذه الأرقام التي تمثل إصابات محتملة ولكن ليست مؤكدة، أعلنت السلطات البريطانية حينها تلك الأرقام وأكدت على ضرورة تصفية قوة الشرطة المساعدة المصرية بالإسماعيلية.
قال البريطانيون أنهم يحتجزون 800 مصري أسير في أخطر حادث خلال ثلاثة أشهر من التوتر الإنگليزي المصري. كما أعلن البريطانيون أنه خلال الأشهر الأخيرة، أثبتت هذه المجموعة من الرجال، التي يبلغ عدد حوالي 1.000 ومسلحين بالبنادق بدلاً من العصي، في انتهاك لاتفاق بين السلطات البريطانية والمصرية، مرارًا وتكرارًا أنها "غير منضبطة وغير مسؤولة" و"تمت إدانتهم" وتم أخذها فعليًا، وذلك ضمن حرب العصابات ضد القوات البريطانية، وذلك كونهم مطورتين في أنشطة قنص وشغب بعلم السلطات المصررية.
لذا يعد الخامس والعشرون من يناير ذكرى غالية في سجل الوطنية المصرية تحتفل مصر فيه بـعيد الشرطة في كل عام، تكريما وعرفانا لأبطال الشرطة، الذين ضحوا بأرواحهم فداء للوطن وبخاصة شهداء موقعة الإسماعيلية، وتكريما لدور وزارة الداخلية ورجال الشرطة في حفظ الأمن والاستقرار والتصدي للخارجين على القانون من العناصر الإجرامية وحماية مقدرات الوطن وسلامة مواطنيه، وهو نفس الصمود والبسالة التي تبذلها الشرطة المصرية التي تسطر كل يوم الكثير والكثير من البطولات من أجل ا أمن وأمان مصر.
لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت رمزًا للكرامة المصرية، حيث دافع رجال الشرطة بكل ما أوتوا من قوة عن أرضهم ووطنهم، وبينما كانت القوات البريطانية تحاول فرض هيمنتها، كان ضباط وأفراد الشرطة يواجهون ببسالة، يقاومون بكل ما لديهم من إرادة، حتى سقط منهم العشرات شهداء، وتبقى أرواحهم تسكن كل زاوية من زوايا تاريخ هذا الوطن.