يقول ابن القف وهو من كبار الأطباء الجراحين العرب في كتابه العمدة في صناعة الجراحة (ليس كل من علم الدواء طبيب، حتى يكون له عقل يميز به، وتجربة يبصر بها، ورحمة يحملها للناس.)
في التراث العربي لم يكن الطبيب يسمى طبيب فحسب، بل حكيم ونطاسي، وهما تسميتان لا تحيلان إلى مهنة تقنية بقدر ما تحيلان إلى مقام معرفي. فالحكيم هو من يجمع بين العلم والفهم، بين معرفة الجسد ومعرفة النفس، بين الدواء والحكم، أما النطاسي فهو الذي بلغ حد من البصيرة والدقة يجعله قادر على النفاذ إلى خفايا العلل، لا بوصفها أعراض معزولة، بل بوصفها اختلال في نظام أوسع( نظام البدن، والبيئة، والحياة ذاتها). لم يكن المرض عنده معطى ميكانيكي، بل حدث وجودي يستدعي التأويل قبل الوصفة.
هذه الدلالة ليست حكر على الثقافة العربية. ففي التراث الغربي القديم، ارتبط الطب بدوره بالحكمة أكثر من التقنية. كان الطبيب ينظر إليه بوصفه حامل معرفة شاملة، يوازن بين التجربة، والملاحظة، والتقدير الأخلاقي، لا مجرد منفذ لإجراءات. الطب، في جذره الحضاري، لم يكن علم (كيف نصلح العطل) فقط، بل علم (كيف نفهم الكائن البشري حين يختل). لذلك ظل الطبيب، في المخيال الجمعي، شخصية ذات سلطة معرفية وأخلاقية، يصغي قبل أن يقرر، ويقدر قبل أن يتدخل.
هذا الإرث اللغوي والمعرفي ليس تفصيل تاريخي عابر، بل مفتاح لفهم التحول العميق الذي يعيشه الطب اليوم. فحين نعود إلى تسميات مثل الحكيم والنطاسي، ندرك أن الطب كان يفهم بوصفه خبرة متجسدة، تتكون عبر الزمن، وتتطلب حضور العقل والضمير والحدس معا.
المعرفة الطبية لم تكن قابلة للفصل عن صاحبها، ولا يمكن نقلها كاملة عبر قواعد أو تعليمات. كانت معرفة تمارس، لا معرفة تشغل.
من هنا تبرز حدة السؤال المعاصر(( ماذا يحدث لهذا المعنى حين يدخل الطب عصر الخوارزميات، والنماذج التنبؤية، والذكاء الاصطناعي؟ هل يبقى الطبيب حكيم، أم يتحول إلى مشغل نظام؟ وهل يمكن للحكمة بما تحمله من تقدير إنساني، وحس أخلاقي، وقدرة على التعامل مع الغموض أن تختزل في بنية هندسية مهما بلغت دقتها؟))
هذا المدخل التراثي لا يستدعي الماضي بوصفه ملاذ، بل يضع الحاضر أمام مرآته... إذا تغيرت تسمية الطبيب اليوم، فذلك لأن طبيعة المعرفة ذاتها على وشك أن تتغير.
في أواخر عام 2025، أعاد مقال بعنوان (Deskilling: a dangerous side effect of AI use) فتح سؤال قديم–جديد في قلب الممارسة الطبية... ماذا يحدث للخبرة الإنسانية عندما تتقدم الآلة من موقع الأداة إلى موقع الشريك، وربما البديل؟ لا يقتصر السؤال على كفاءة التشخيص أو سرعة القرار، بل يتجاوز ذلك إلى بنية المعرفة الطبية نفسها، هل تظل خبرة الطبيب معرفة متجسدة في الجسد والحدس والتجربة، أم تتحول إلى وظيفة إشرافية داخل منظومة هندسية–خوارزمية؟ وهل يصبح الطب، في جوهره، فرع من فروع الهندسة المعرفية وإدارة الأنظمة؟
هذه الأسئلة تطرح بالاستناد إلى مؤشرات عملية... تزايد الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي في التشخيص، المراقبة، اختيار العلاج، بل وحتى في صياغة التقارير السريرية. ومع هذا الاعتماد، يظهر خطر فقدان المهارة بوصفه أثر جانبي غير مقصود، لكنه عميق، يهدد بتحويل الطبيب من فاعل معرفي إلى مراقب تقني.
لم يكن الطب يوما علم نظري خالص، بل هو ممارسة تتقاطع فيها المعرفة العلمية مع الخبرة الحسية والحكم الأخلاقي. غير أن القرن العشرين شهد تحول تدريجي جعل الطب أقرب إلى (نظام) منه إلى (حرفة).. أنظمة جودة وسلامة، بروتوكولات، سلاسل إمداد دوائي، نماذج مخاطر، ومعايير أداء. هذا التحول، الذي دعمته هندسة النظم وهندسة العوامل البشرية، حسن النتائج وخفض الأخطاء، لكنه مهد أيضا لإعادة تعريف الطبيب بوصفه عنصر داخل منظومة.
مع دخول الذكاء الاصطناعي، يتعمق هذا التحول. فالتشخيص لم يعد فعل تأويلي يعتمد على جمع الشواهد وبناء الفرضيات فحسب، بل صار عملية حسابية احتمالية تغذى ببيانات ضخمة. هنا تتقدم الهندسة لا بوصفها أجهزة فقط بل بوصفها منهج معرفي.. نمذجة، تحسين، أتمتة، وتعلم مستمر. السؤال... ماذا يتبقى للخبرة البشرية حين تعاد صياغة المعرفة الطبية بهذه الطريقة؟
تشير دراسات حديثة إلى أن الاعتماد المتزايد على أنظمة الدعم الذكي قد يضعف مهارات أساسية لدى الأطباء عندما يطلب منهم العمل دون هذه الأنظمة. المثال الأكثر تداول هو ما لوحظ في بعض إجراءات التنظير، حيث أدى استخدام أنظمة مساعدة بالذكاء الاصطناعي إلى تحسن فوري في الاكتشاف، لكنه صاحبه تراجع ملحوظ في الأداء عند غياب النظام. هذه المفارقة تكشف منطق معرفي خطير، كلما زادت الكفاءة الآنية، زادت احتمالات التآكل البعيد للمهارة.
فلسفيا، لا يتعلق الأمر بكسل مهني، بل بإعادة توزيع للوظائف المعرفية. حين تفوض الذاكرة، والمقارنة، والاستدلال الإحصائي إلى الآلة، تتقلص مساحة الممارسة التي تنمي الحدس والخبرة المتجسدة. بعبارة أخرى، ما لا نمارسه لا نحتفظ به. وهنا يصبح فقدان المهارة نتيجة بنيوية، لا خلل عارض.
هل الطب هندسة؟
إذا عرفنا الهندسة بوصفها فن تصميم الأنظمة القابلة للتكرار والتحسين، فإن الطب الحديث خاصة مع الذكاء الاصطناعي يقترب كثيرا من هذا التعريف. غير أن هذا القرب يثير توتر فلسفي، الهندسة تسعى إلى الإحكام والسيطرة، بينما الطب يتعامل مع كائنات بشرية متفردة، محكومة باللايقين والاختلاف والسياق.
الطب ليس مجرد حل لمسألة تقنية، بل مواجهة مع معاناة ومعنى. القرار الطبي لا يقاس فقط بدقته الإحصائية، بل بملاءمته الأخلاقية والإنسانية. هنا يظهر حد لا تستطيع الهندسة تجاوزه بسهولة.. الحكم القيمي. فالخوارزمية قد تقترح الأفضل وفق البيانات، لكنها لا تتحمل عبء المسؤولية الوجودية المترتبة على القرار.
يبدو أن مستقبل الطبيب يتأرجح بين نموذجين.
الأول هو الطبيب–المهندس: مشرف على الأنظمة، مفسر لمخرجاتها، مدير للمخاطر. في هذا النموذج، تعاد صياغة الخبرة الطبية بوصفها قدرة على فهم الخوارزميات وحدودها. النموذج الثاني هو الطبيب–الحكيم( فاعل أخلاقي، قادر على دمج المعطيات التقنية مع فهم إنساني عميق للمريض وسياقه).
الخطر الحقيقي لا يكمن في انتصار نموذج على آخر، بل في اختزال الطبيب إلى الدور الأول وحده. حينها، يصبح الطب ممارسة تقنية باردة، ويغيب ذلك البعد الذي لا يقاس( الثقة، التعاطف، والقدرة على اتخاذ قرار في منطقة رمادية لا تحسمها البيانات وحدها).
تشير الأطر التنظيمية الحديثة، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا، إلى إدراك متزايد بأن الذكاء الاصطناعي في الطب يجب أن يدمج ضمن حوكمة صارمة لدورة الحياة، مع إبقاء الإنسان (في الحلقة). هذا التوجه يعكس وعي بأن الاستبدال الكامل ليس فقط غير واقعي، بل غير مرغوب من الناحية الاخلاقية.
المستقبل الأكثر ترجيح هو طب هجين.. منظومات ذكية عالية الكفاءة، يقودها أطباء يحتفظون بمهاراتهم عبر التدريب النقدي، ويعاد تصميم التعليم الطبي ليشمل فهم الخوارزميات، دون التخلي عن بناء الخبرة السريرية العميقة. التحدي هنا تربوي وفلسفي بقدر ما هو تقني.
يبقى سؤال (هل سيبقى الطبيب طبيبًا؟) ليس سؤال فني يتعلق بالمهارة فقط، بل سؤال عن معنى المعرفة والمسؤولية في عصر الآلة. إن فقدان المهارة علامة تحذير.
فإذا تركت التكنولوجيا دون توجيه فلسفي وأخلاقي، قد يتحول الطب إلى هندسة بلا روح. أما إذا أُعيد تعريف العلاقة بين الطبيب والآلة على أساس الشراكة النقدية، فإن الطب قد يخرج من هذا التحول أكثر إنسانية، لا أقل.