في خطوة دبلوماسية لافتة، دخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على خط الأزمة المتصاعدة في الشرق الأوسط، عارضًا خدمات الوساطة بين إسرائيل وإيران، في محاولة لخفض حدة التوترات بين الجانبين.
وتأتي هذه المبادرة وسط تصاعد الخطابات السياسية والعسكرية، وموجة احتجاجات داخل إيران، إضافة إلى تهديدات أمريكية متكررة بالتدخل العسكري.
الكرملين أعلن أن بوتين أجرى مكالمتين هاتفيتين، واحدة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأخرى مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بهدف التباحث في آخر التطورات، وسبل تعزيز الاستقرار والأمن في المنطقة.
وأوضح البيان الروسي أن بوتين أكد على أهمية تكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية، وطرح مقاربات جديدة لتفعيل الحلول الدبلوماسية للحد من التوترات.
كما شدد على استعداد روسيا للوساطة بين تل أبيب وطهران، وحرصها على تقديم دعم سياسي لضمان استقرار الشرق الأوسط.
وفي تفاصيل الاتصال مع نتنياهو، ذكر البيان أن الرئيس الروسي استعرض "مقاربات لتعزيز الاستقرار في المنطقة"، وأكد على ضرورة استمرار الحوار بين روسيا وإسرائيل على مختلف المستويات.
كذلك، شدد بوتين على أن الخطوات الدبلوماسية والسياسية هي السبيل الأنجح لمعالجة التحديات الراهنة، وهو ما يعكس رغبة موسكو في لعب دور الوسيط الفاعل في الأزمات الإقليمية.
وتأتي هذه الاتصالات في وقت تصاعدت فيه الاحتجاجات في إيران، التي بدأت أواخر ديسمبر الماضي، احتجاجًا على الوضع المعيشي والاقتصادي.
وقد تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل متكرر، مهددًا بالتدخل العسكري إذا لم تتوقف عمليات القمع، لكنه أعلن مؤخرًا عن توقف عمليات القتل، مشيرًا إلى استمرار مراقبة الوضع عن كثب.
وفي إطار الرد الأمريكي، فرضت واشنطن عقوبات على مسؤولين أمنيين وشبكات مصرفية إيرانية.

في الوقت نفسه، تشهد العلاقات الإسرائيلية الإيرانية توترات كبيرة، خاصة بعد تصريحات مسؤولين إسرائيليين حول احتمال تنفيذ ضربات عسكرية لكبح ما وصفوه بتجدد مخزون الصواريخ الباليستية الإيرانية.
ومع ذلك، تشير مصادر أمريكية وإسرائيلية إلى وجود رسائل سرية تطمين بين الطرفين، رغم استمرار حالة التوتر العلني.
الجانب الأمريكي لم يقف مكتوف الأيدي، إذ كشف تقرير لموقع "أكسيوس" عن إرسال الجيش الأمريكي تعزيزات دفاعية وهجومية إلى المنطقة، بما في ذلك حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن"، استعدادًا لأي قرار محتمل من ترامب بشأن توجيه ضربة لإيران.
ورغم ذلك، يبدو أن البيت الأبيض يتريث في اتخاذ أي إجراء، في ظل قلق الحلفاء من تداعيات الرد الإيراني المحتمل.
مصادر أمريكية وإسرائيلية أكدت أن ترامب يواصل دراسة جميع الخيارات، بما في ذلك العسكرية والدبلوماسية، وأنه يفضل الاحتفاظ بمرونة القرار وعدم حصره في خيار واحد.
من جانبها، أعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن كل الخيارات لا تزال مطروحة، وأن الرئيس يدرس التطورات عن كثب قبل اتخاذ أي خطوة.
كما أشار تقرير "أكسيوس" إلى أن معظم الرسائل العلنية من واشنطن تهدف إلى زيادة حالة عدم اليقين وربما إرباك إيران، وهو النهج نفسه الذي اعتمدته الولايات المتحدة العام الماضي عند قصف المنشآت النووية الإيرانية.
وفي الوقت ذاته، أغلقت السلطات الإيرانية المجال الجوي لعدة ساعات خشية أي هجوم محتمل، وهو ما يعكس مستوى القلق الداخلي والخارجي بشأن الوضع الراهن.
يأتي هذا كله في ظل تقييم مستمر للوضع من قبل الدبلوماسيين والقادة العسكريين، مع استمرار مراقبة التطورات في الشارع الإيراني، وتقييم احتمالات تصعيد الموقف العسكري والسياسي.
وقد أكد مسؤولون إسرائيليون أن نتنياهو وترامب ناقشا الحاجة إلى التريث لمنح إسرائيل الوقت الكافي للتعامل مع أي رد إيراني محتمل.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المنطقة تشهد مرحلة حساسة من التوترات، حيث تتداخل المبادرات الدبلوماسية الروسية مع التحركات العسكرية الأمريكية، بينما يبقى مستقبل العلاقات الإسرائيلية الإيرانية مرهونًا بالخطوات القادمة لكل من القوى الكبرى.
ومع استمرار الاحتجاجات الداخلية في إيران، يبرز دور روسيا كوسيط محتمل لتحقيق تهدئة نسبية، في محاولة لتجنب أي تصعيد قد يجر المنطقة نحو مواجهة أوسع، مع استمرار مراقبة كل من واشنطن وتل أبيب لكل تحركات طهران.
في المحصلة، يمثل تدخل بوتين محاولة للعب دور الوسيط النشط في منطقة الشرق الأوسط، في وقت تتصارع فيه خيارات القوة والدبلوماسية بين واشنطن وتل أبيب وطهران، وسط مخاوف من تصاعد الأزمة، ما يجعل من الدور الروسي مفتاحًا رئيسيًا في محاولة تهدئة الوضع وضمان الاستقرار الإقليمي على المدى القريب.