دراسات وأبحاث

خطة السلام في غزة وملامح المرحلة الثانية منها

الخميس 15 يناير 2026 - 03:24 م
نرمين عزت
الأمصار

بعد نحو عامين من محاولة الإبادة الجماعية لسكان غزة على يد القوات الإسرائيلية، منذ أن اندلعت الحرب عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، وتحوّلت سريعًا إلى حرب شاملة خلّفت عشرات الآلاف من الضحايا، ودمارًا واسعًا في البنية التحتية، وانهيارًا شبه كامل للقطاع الصحي والخدمي. ومع تصاعد الضغوط الدولية والتحذيرات من مجاعة وانهيار إنساني، كثّفت الأطراف الوسيطة تحركاتها، وصولًا إلى اتفاق يقوم على مراحل متتابعة بدلًا من حل شامل دفعة واحدة.

المرحلة الأولى من اتفاق غزة: هدنة إنسانية تحت الاختبار

مثّلت المرحلة الأولى من اتفاق غزة الأساس الذي بُنيت عليه بقية مراحل الاتفاق، إذ جاءت في ذروة كارثة إنسانية غير مسبوقة، ومع تصاعد التحذيرات الدولية من انهيار كامل للحياة في القطاع. ولم تكن هذه المرحلة تسوية سياسية بقدر ما كانت هدنة إنسانية اضطرارية، تهدف إلى وقف النزيف وفتح نافذة أولى للانتقال من الحرب إلى التفاوض.

أولًا: الإطار العام للمرحلة الأولى

بدأت المرحلة الأولى كـوقف مؤقت لإطلاق النار، تم الاتفاق عليه بوساطة مصرية–قطرية–أميركية، وشمل التزامات متبادلة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، على أن تكون هذه المرحلة اختبارًا عمليًا لمدى قابلية الاتفاق للاستمرار.

وجرى تصميم المرحلة الأولى بزمن محدد وبنود واضحة نسبيًا، لتجنّب الانهيار السريع، ولإعطاء الوسطاء هامشًا للتحرك نحو المرحلة الثانية.

ثانيًا: وقف إطلاق النار – تهدئة مشروطة

أهم بنود المرحلة الأولى كان الوقف المتبادل لإطلاق النار، والذي تضمن:

وقف العمليات العسكرية الجوية والبرية.

تجميد التحركات العسكرية الواسعة داخل قطاع غزة.

التزام الفصائل الفلسطينية بوقف إطلاق الصواريخ.

ثالثًا: الملف الإنساني في صدارة الأولويات

المرحلة الأولى وُصفت بأنها إنسانية الطابع بالدرجة الأولى، واشتملت على:

1. إدخال المساعدات

فتح المعابر بشكل جزئي ومنظّم.

السماح بدخول الغذاء والدواء والوقود.

إعطاء أولوية للمستشفيات والمخابز ومحطات المياه.

ورغم ذلك، اشتكت منظمات إنسانية من أن حجم المساعدات ظل أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية لسكان القطاع.

2. القطاع الصحي

إدخال إمدادات طبية عاجلة.

إجلاء عدد محدود من الجرحى للعلاج خارج غزة.

محاولات لإعادة تشغيل مستشفيات متوقفة جزئيًا أو كليًا.

رابعًا: تبادل الأسرى والمحتجزين

كان ملف الأسرى أحد أعمدة المرحلة الأولى، ونص الاتفاق على:

إطلاق سراح دفعات من المحتجزين الإسرائيليين، خصوصًا النساء وكبار السن.

مقابل الإفراج عن أسرى فلسطينيين من السجون الإسرائيلية.

تنفيذ عمليات التبادل وفق جداول زمنية متفق عليها وتحت إشراف الوسطاء.

هذا الملف حمل أبعادًا سياسية وإنسانية في آن واحد، وأسهم في تعزيز فرص الانتقال إلى المرحلة التالية، رغم ما شابه من توتر وتأجيلات.

خامسًا: عودة جزئية للنازحين

سمحت المرحلة الأولى بعودة محدودة ومشروطة للنازحين داخل القطاع، خاصة إلى المناطق الأقل دمارًا، مع استمرار القيود الأمنية في مناطق أخرى، لا سيما شمال غزة.

ورغم رمزية هذه الخطوة، فإنها كشفت حجم الدمار الهائل، وأظهرت أن العودة الشاملة لا يمكن أن تتحقق دون بدء فعلي لإعادة الإعمار.

سادسًا: الدور الرقابي للوسطاء

شهدت المرحلة الأولى حضورًا مكثفًا للوسطاء:

مصر تولّت التنسيق الميداني وملف المعابر.

قطر لعبت دورًا رئيسيًا في الترتيبات الإنسانية والمالية.

الولايات المتحدة مارست ضغوطًا سياسية لضمان استمرار الهدنة.

كما جرى إنشاء قنوات اتصال مباشرة لإدارة الأزمات ومنع انهيار الاتفاق عند أي خرق.

المرحلة الأولى من اتفاق غزة لم تكن حلًا، بل فرصة مؤقتة لالتقاط الأنفاس في واحدة من أكثر الأزمات دموية في المنطقة. وبينما منحت سكان القطاع هدنة محدودة، فإنها كشفت في الوقت نفسه أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق دون معالجة جذور الصراع، وهو ما حاولت المراحل اللاحقة الاقتراب منه.

المرحلة الثانية: قلب الاتفاق ومحوره الأساسي

تُعد المرحلة الثانية الأكثر حساسية وتأثيرًا، إذ تنتقل من التهدئة المؤقتة إلى معالجة القضايا الجوهرية المتعلقة بمستقبل غزة.

والمرحلة الثانية هي الخطوة التالية بعد وقف إطلاق النار والتبادل الأولي للأسرى في اتفاق هدنة أُبرم في أكتوبر 2025 بوساطة دولية. تهدف هذه المرحلة إلى الانتقال من مجرد وقف إطلاق النار إلى تنفيذ بنود سياسية وأمنية وإنسانية أوسع تُعالج جذور النزاع وتضع أسسًا لإعادة الحياة إلى غزة، وليس فقط لتهدئة مؤقتة. 

والمرحلة الثانية من اتفاق غزة تمثل تحولًا جوهريًا من وقف إطلاق النار إلى مسار إدارة وحكم وإعادة إعمار ونزع سلاح تدريجي. وعلى الرغم من التحديات السياسية والأمنية، فإنها تُعد خطوة مهمة نحو سعي دولي لإحلال استقرار نسبي في القطاع بعد سنوات من النزاع والدمار

إدارة غزة: حكم انتقالي

ينص الاتفاق على تشكيل إدارة فلسطينية انتقالية من شخصيات مستقلة (تكنوقراط) تتولى إدارة الشؤون المدنية والخدمية، بعيدًا عن التجاذبات الفصائلية.

وتهدف هذه الإدارة إلى:

إعادة تشغيل المؤسسات المدنية.

الإشراف على الخدمات الأساسية.

التنسيق مع الجهات الدولية المانحة.

إدارة ملف إعادة الإعمار.

ويرى مراقبون أن هذا البند يعكس محاولة دولية للفصل بين العمل العسكري والإدارة المدنية، دون حسم نهائي لشكل الحكم المستقبلي.

الترتيبات الأمنية

الشق الأمني هو الأكثر تعقيدًا، ويتضمن:

تثبيت وقف إطلاق نار دائم.

انسحابًا تدريجيًا للقوات الإسرائيلية من مناطق داخل القطاع.

بحث آليات ضبط السلاح أو نزع السلاح خارج إطار سلطة أمنية فلسطينية موحدة.

وتُعد مسألة السلاح نقطة الخلاف الأبرز، إذ تصر إسرائيل على نزع كامل، بينما ترى الفصائل الفلسطينية أن الأمر يجب أن يُناقش ضمن تسوية سياسية شاملة.

إعادة الإعمار

تنطلق في المرحلة الثانية الخطوات العملية لإعادة إعمار غزة، عبر:

إنشاء صندوق دولي لإعادة الإعمار.

إطلاق مشاريع لإعادة بناء المساكن والبنية التحتية.

رقابة دولية على مواد البناء لضمان استخدامها للأغراض المدنية.

وتشير تقديرات دولية إلى أن عملية الإعمار قد تستغرق سنوات طويلة، في ظل حجم الدمار غير المسبوق.

المرحلة الثالثة: أفق سياسي مفتوح

تهدف المرحلة الأخيرة إلى:

تثبيت وقف إطلاق النار بشكل دائم.

استكمال إعادة الإعمار.

فتح مسار سياسي أوسع، قد يرتبط بإحياء حل الدولتين أو صيغة سياسية بديلة، وفق الرؤية الدولية المطروحة.

غير أن هذه المرحلة لا تزال الأقل وضوحًا، وتعتمد بشكل كبير على نجاح المرحلتين السابقتين.

دور مصر وقطر

لعبت مصر دورًا محوريًا في إدارة المفاوضات، خصوصًا في الملفات الأمنية، بينما ركزت قطر على الجوانب الإنسانية والمالية، في حين وفّرت الولايات المتحدة الغطاء السياسي والضمانات الدولية للاتفاق.

وإسرائيل تنظر إلى الاتفاق كآلية لضمان أمنها ومنع عودة التهديدات من غزة، مع تركيز خاص على ملف نزع السلاح.

أما حركة حماس فأنها تؤكد أن الاتفاق يجب أن يؤدي إلى وقف دائم للحرب وانسحاب كامل، وترفض أي ترتيبات تُفرغ المقاومة من مضمونها.

والسلطة الفلسطينية ترى في الاتفاق فرصة للعودة التدريجية إلى غزة ضمن إطار سياسي موحد.