دراسات وأبحاث

بين ضرورات الاستقرار ومخاطر الانتظار.. نزع السلاح بـ«التقسيط» في لبنان

الخميس 15 يناير 2026 - 12:29 م
ابراهيم ياسر
خيار الدولة بين الواقعية السياسية وشبح الانفجار الداخلي
الأمصار

يرى خبراء ومحللون سياسيون أن لجوء الدولة اللبنانية إلى اعتماد إستراتيجية نزع السلاح بشكل تدريجي، أو ما يُعرف بـ«نزع السلاح بالتقسيط»، لا يأتي من فراغ، بل يندرج في إطار مقاربة سياسية وأمنية تحاول من خلالها السلطة إدارة توازنات داخلية شديدة الهشاشة. 

ويعتبر هؤلاء أن هذا المسار يهدف بالدرجة الأولى إلى تفادي سيناريو «الصدمة الكبرى» الذي قد يفتح الباب أمام مواجهات داخلية واسعة، وربما يعيد البلاد إلى أجواء الحرب الأهلية.

في المقابل، يثير هذا الخيار انقساماً حاداً في الأوساط السياسية والفكرية؛ إذ يراه فريق بمثابة صمام أمان يحافظ على السلم الأهلي بانتظار نضوج التسويات الإقليمية والدولية، بينما يحذر فريق آخر من أنه يضع سيادة الدولة في خانة الانتظار الطويل، ويُضعف قدرتها على فرض قرارها الوطني.

مخاوف من استغلال الفراغ السياسي

يحذر محللون من أن استمرار التردد السياسي في حسم ملف سلاح ميليشيات حزب الله، عبر أدوات الشرعية الدستورية، قد يفتح الباب أمام تدخلات خارجية، وعلى رأسها إسرائيل، التي قد تجد في هذا التعثر ذريعة لتولي تنفيذ هذا الملف بالقوة، وبأثمان باهظة تفوق قدرة لبنان على تحمّلها أمنياً واقتصادياً.

وتأتي هذه التحذيرات في ظل تصاعد التوتر الإقليمي، وتزايد الحديث عن سيناريوهات عسكرية محتملة على الحدود الجنوبية، في وقت يعاني فيه لبنان من ضعف مؤسساتي وانقسام سياسي حاد.

 خيار فرضته التوازنات لا القدرة

في هذا السياق، يقول المحلل السياسي أمين بشير إن اعتماد لبنان للمسار التدريجي في نزع السلاح لا يُعد خياراً تقنياً بحتاً، بل هو نتاج طبيعة النظام السياسي اللبناني القائم على التوازنات الطائفية والحزبية.

 ويضيف أن الدولة تحاول اليوم إدارة هذه التوازنات بطريقة تحافظ على الأمن والسلم الأهلي، وهما أولوية شدد عليها رئيس الجمهورية مراراً.

ويؤكد بشير أن الدولة اللبنانية لا تمتلك الأدوات الكافية لفرض قرار نزع السلاح بالقوة، مشيراً إلى أن التجارب السابقة لا تبعث على الاطمئنان، مستشهداً بأحداث 7 مايو/أيار، حين أدى قرار سياسي واحد إلى صدام داخلي واسع.

عوامل داخلية وخارجية تحكم المشهد

ويوضح محللون أن ملف السلاح لا ينفصل عن السياق الإقليمي، فإيران لا تزال منخرطة في مفاوضات متعددة المسارات، وحزب الله خرج من الحرب الأخيرة منهكاً، في حين أن إسرائيل، من جهتها، لا تبدو متحمسة لخوض حرب طويلة ومكلفة، وتفضل في هذه المرحلة سيناريو تسليم السلاح على المواجهة المفتوحة.

وأن كل هذه المعطيات دفعت الدولة إلى اعتبار خيار «التقسيط» المسار الأقل كلفة والأكثر واقعية في المرحلة الحالية، لتجنب صدمة قد تشعل فتيل حرب أهلية جديدة. لكنه يشدد على أن الهدف لا يقتصر على تسليم السلاح، بل يتعداه إلى إحداث تحول في منهجية حزب الله وعقيدته، خاصة في ظل سعيه لإعادة تموضعه داخل النظام اللبناني.

 لا دولة مع أنصاف الحلول

على الجانب الأخر، يرى منسق حركة «تحرر من أجل لبنان»، الدكتور علي خليفة، أن مسألة نزع السلاح هي قضية مبدئية لا تقبل المساومة أو الحلول الجزئية في دولة تسعى لاستعادة سيادتها وقرارها الوطني. ويعتبر أن أي دولة لا تحتكر السلاح وقرار الدفاع والأمن، هي دولة منقوصة السيادة.

وينتقد خليفة أداء المسؤولين اللبنانيين، معتبراً أنهم أبقوا البلاد في موقع المتلقي والمنتظر للتطورات الإقليمية، بدلاً من أن يكون لبنان لاعباً فاعلاً في صياغة المشهد الجديد، كما تفعل الدول التي تحسم أمرها في التعاطي مع التنظيمات المسلحة الخارجة عن القانون.

بين التقاعس وخطر البدائل القسرية

يحذر خليفة من أن اعتماد المسار التدريجي والمراهنة على الوقت يجعل الدولة عاجزة عن التأثير في مصيرها، ويضعها على هامش الأحداث، مؤكداً أن ما تتردد الدولة في تنفيذه اليوم بحق حزب الله قد تفرضه إسرائيل غداً، ولكن بكلفة أعلى بكثير على لبنان والمنطقة، نتيجة تقاعس القرار السياسي عن أداء دوره السيادي.