دراسات وأبحاث

مواجهة مُحتملة تلوح في الأفق بين أمريكا وإيران.. واشنطن ترفع الجاهزية القصوى

الخميس 15 يناير 2026 - 06:38 ص
مصطفى عبد الكريم
ترامب و خامنئي
ترامب و خامنئي

في مشهد إقليمي يزداد توترًا وتعقيدًا، تلوح في الأفق ملامح مواجهة مُحتملة بين «الولايات المتحدة وإيران»، بعدما رفعت «واشنطن» مستوى الجاهزية القصوى، في خطوة تحمل رسائل سياسية وعسكرية تتجاوز حدود التحركات الروتينية، وتفتح الباب أمام سيناريوهات مفتوحة، وسط تصاعد التحذيرات، وإجراءات إخلاء وإجلاء، وترقُّب إقليمي لما قد تحمله الساعات أو الأيام المُقبلة من تطورات قد تُعيد رسم خريطة التوازنات في المنطقة.

جاهزية قصوى وتحركات ميدانية

تزامن رفع «الجاهزية الأمريكية» مع سلسلة تحركات ميدانية وأمنية لافتة، شملت إعادة تموضع للقوات، وتشديد الإجراءات في عدد من القواعد، إلى جانب إجلاء رعايا وتقليص الوجود الدبلوماسي في مناطق حسّاسة، ما عزّز قراءات ترى في هذه الخطوات استعدادًا لمرحلة أكثر حدّة في التعاطي مع «طهران»، في وقت تتبادل فيه العاصمتان رسائل تحذير غير مباشرة، وسط غياب مؤشرات واضحة على تهدئة قريبة، واتساع دائرة القلق من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حسابات الردع التقليدية.

ويعيش «الشرق الأوسط» حالة تأهب مُتصاعدة، وسط استعدادات تُوحي بـ«اقتراب مواجهة مُحتملة بين الولايات المتحدة وإيران»، ومعها «إسرائيل» بحكم الارتباط الاستراتيجي، في مشهد تتداخل فيه التهديدات المُتبادلة، بعدما لوّحت طهران باستهداف أذرع واشنطن في المنطقة، ردًا على تصريحات للرئيس الأمريكي، «دونالد ترامب»، توعد فيها بضربة جديدة قد تتجاوز عملية «مطرقة نصف الليل» التي استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025.

وازدادت المؤشرات على قرب خطوة أمريكية لم يفصح «ترامب» عن ملامحها، لكن وصف قسوتها مُؤكّدًا للصحفيين أنهم سيُشاهدون بأنفسهم الدعم الأمريكي للمحتجيين الإيرانيين، الذين اجتاحوا شوارع العاصمة الإيرانية للأسبوع الثالث تواليًا، حسبما أفادت مجلة «نيوزويك» الأمريكية.

في غضون ذلك، ذكرت وكالة «رويترز» للأنباء، أن الولايات المتحدة الأمريكية سحبت بعض الأفراد من قواعدها الرئيسية بالشرق الأوسط كإجراء احترازي مع تصاعد التوترات الإقليمية.

إجلاء جزئي بقاعدة العديد الجوية 

قالت «رويترز»، إن بعض الأفراد الأمريكيين في قاعدة العديد الجوية بقطر -أكبر قاعدة جوية أمريكية في الشرق الأوسط- طُلب منهم مغادرة الموقع بحلول مساء يوم الأربعاء، في خطوة تأتي بعد تهديدات إيرانية باستهداف المصالح الأمريكية حال نفّذت الولايات المتحدة أي ضربة على إيران.

وصرّح مسؤول إيراني رفيع المستوى، أن طهران طلبت من الدول التي تستضيف القوات الأمريكية منع واشنطن من مهاجمة إيران، إضافة إلى ذلك صعّد «الحرس الثوري» تعزيز جاهزية الصواريخ والقوات الجوية بعد الحرب التي استمرت (12 يومًا) مع إسرائيل، العام الماضي، مع تأكيد القوات الإيرانية أن مخزون الصواريخ والقدرات الجوية أعلى مما كان عليه قبل الحرب، ما يزيد من مخاطر أي مواجهة مُحتملة.

إلى جانب ذلك؛ وضعت «إسرائيل»، سُلطتها المدينة والجنوب في حالة تأهب قصوى، تحسبًا لأي تدخل أمريكي، في وقت تُواجه فيه «طهران» أكبر احتجاجات مناهضة للحكومة منذ سنوات، ما يزيد المخاوف من تصعيد محتمل على الصعيد الإقليمي.

حالة تأهب إسرائيلية وإعادة فتح ملاجئ

راقب «جيش الاحتلال الإسرائيلي» المنطقة عن كثب، مع الحفاظ على حالة تأهب قصوى للطائرات والملاجئ، مع متابعة أي تحركات مُحتملة للصواريخ أو الهجمات الإيرانية، ما يعكس استمرار حالة التوتر الأمني في الشرق الأوسط، وسط تصاعد الاحتجاجات في إيران والتهديدات الأمريكية والإيرانية المُتبادلة.

وأعلنت بلدية ديمونا فتح مراكز الإيواء في جميع أنحاء المدينة ابتداءً من العاشرة مساءً، مُؤكّدة عدم وجود أي تغيير في تعليمات قيادة الجبهة الداخلية، وقال العمدة «بيني بيتون»، إن مشاعر السكان أولويته القصوى وسيتم إبلاغهم بأي تغييرات فور حدوثها.

كما عقدت البلدية اجتماعات مع قائد الشرطة، وقائد نجمة داود الحمراء، وقائد جيش الاحتلال الإسرائيلي، وقائد إدارة الإطفاء، لمناقشة تقييم الوضع الأمني وفتح الملاجئ استجابة لمخاوف السكان، ما يعكس حرص تل أبيب على الاستعداد لأي هجوم مُحتمل من إيران.

رحلة طائرة نتنياهو

رصد موقع «فلايت رادار» إقلاع الطائرة الرسمية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «جناح صهيون»، من قاعدة نيفاتيم الجوية متجهة إلى جزيرة كريت اليونانية، في خطوة تأتي ضمن إجراءات الحيطة والاحتراز، لتجنب أي تهديد صاروخي إيراني.

إضافة إلى ذلك، نفت السُلطات الإسرائيلية أن تكون الرحلة مُرتبطة بأي تصعيد، مُؤكّدة أنها جزء من برنامج صيانة روتيني للطائرة، بينما أشار «جيش الاحتلال» إلى أن الاحتجاجات الإيرانية شأن داخلي، مع الإبقاء على حالة تأهب قصوى.

في الوقت نفسه واصلت «تل أبيب» متابعة تحركات الطائرات والمراقبة الأمنية في جنوب إسرائيل، بما في ذلك تعزيز الملاجئ القائمة والمناطق الشمالية التي تفتقر للتغطية الكاملة.

رسائل ردع إيرانية

من جانبها؛ هددت إيران باستهداف المصالح الأمريكية إذا تدخل الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» لدعم المتظاهرين، بعد أن ألغى محادثات مُقررة مع طهران، وأكّد أنه يدرس خيارات عدة، بينها «ضربات عسكرية محدودة»، مُحذرًا النظام من إعدام آلاف المحتجزين على خلفية الاحتجاجات، بينما حثّ المتظاهرين على السيطرة على المؤسسات، مُشيرًا إلى أن «المساعدة قادمة».

كما حذّر قادة إيرانيون من شن ضربات على «إسرائيل» حال تعرّضها لهجوم أمريكي، فيما قال قائد القوات الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني «ماجد موسوي»، إن مخزون الصواريخ ازداد وأن القوات في ذروة جاهزيتها، مُضيفًا أن أضرار الحرب قد تم إصلاحها وأن الإنتاج العسكري أعلى مما كان عليه قبل يونيو 2025.

إيران على صفيح ساخن

شهدت إيران احتجاجات واسعة منذ أكثر من أسبوعين، بسبب الغضب الشعبي تجاه الوضع الاقتصادي المُتردي والعقوبات، وسط تقديرات رسمية بسقوط ضحايا يقدر بنحو (3000) قتيل، بينهم (147) من عناصر الأمن، في الأثناء، قدّم «إيلون ماسك» خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية «ستارلينك» للمساعدة في تجاوز انقطاع الاتصالات.

وتعيش «طهران» أوضاع اقتصادية صعبة، حيث سجَّل «الريال الإيراني» هبوطًا إلى أدنى مستوى له على الإطلاق أمام الدولار الأمريكي، بعد إعادة فرض عقوبات «الأمم المتحدة». ووصل سعر الريال إلى نحو (1.12 مليون ريال مقابل الدولار)، وفق موقعي «بونباست» و«آلان تشاند»، بعد أن تجاوز مليون ريال بقليل قبل نحو شهر، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.

سيناريوهات التصعيد مفتوحة

وفي ظلّ هذا المشهد المشحون، تبدو المنطقة واقفة على حافة اختبار جديد، مع استمرار «واشنطن» في رفع الجاهزية القصوى، وإصرار «طهران» على التمسك بخطاب الردع والرد بالمثل، ما يجعل احتمالات المواجهة «قائمة»، وإن لم تُحسم بعد. وبين حسابات القوة ورسائل الضغط المُتبادلة، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة، من الاحتواء المؤقت إلى الانزلاق نحو مواجهة أوسع، قد تتجاوز حدود الطرفين، وتُعيد رسم معادلات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط بأكمله.