دراسات وأبحاث

أمريكا تحاصر إخوان لبنان بأشد التصنيفات.. ما هي الجماعة الإسلامية؟

الأربعاء 14 يناير 2026 - 12:08 ص
هايدي سيد
الأمصار

في خطوة وُصفت بأنها الأشد حتى الآن، صعّدت الولايات المتحدة الأمريكية من إجراءاتها ضد تنظيم الإخوان في الشرق الأوسط، بعدما صنفت فرع التنظيم في لبنان منظمة إرهابية أجنبية، وهو أعلى وأقسى تصنيف قانوني أمريكي، ما يجرّم تقديم أي دعم مادي أو لوجستي له، ويؤدي عملياً إلى خنق مصادر تمويله وشل تحركاته.


والثلاثاء، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصنيف ثلاثة فروع لتنظيم الإخوان المسلمين في كل من لبنان ومصر والأردن منظمات إرهابية، مع فرض حزمة واسعة من العقوبات المالية والقانونية على هذه الكيانات وأعضائها وشركائها.

 


وأدرجت وزارة الخارجية الأمريكية الفرع اللبناني للتنظيم، المعروف باسم «الجماعة الإسلامية»، على قائمة «المنظمات الإرهابية الأجنبية»، وهو تصنيف يجعل أي تعامل مالي أو سياسي أو لوجستي مع الجماعة جريمة جنائية يعاقب عليها القانون الأمريكي.


في المقابل، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية فرعي الإخوان في مصر والأردن على قائمة «المنظمات الإرهابية العالمية المصنفة خصيصاً»، وذلك على خلفية اتهامهما بتقديم دعم مباشر أو غير مباشر لحركة حماس الفلسطينية.


لماذا لبنان؟


يعيد القرار الأمريكي تسليط الضوء على «الجماعة الإسلامية» في لبنان، التي تعد الامتداد الرسمي لتنظيم الإخوان المسلمين داخل الدولة اللبنانية، وسط تساؤلات حول طبيعة دورها السياسي والعسكري، وعلاقاتها الإقليمية المتشابكة.


وتأسست الجماعة الإسلامية في لبنان عام 1964 كفرع محلي لتنظيم الإخوان، وظلت لعقود طويلة تكرر في مواقفها وتحالفاتها سياسات التنظيم الأم في المنطقة، ما جعلها جزءاً من الشبكة الإخوانية العابرة للحدود، وفق دراسات صادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.


وعلى الرغم من أن الجماعة لا تتمتع بثقل سياسي كبير داخل البرلمان اللبناني، حيث يمثلها نائب واحد فقط من أصل 27 نائباً سنياً في مجلس النواب اللبناني المكون من 128 مقعداً، فإن نفوذها يبرز في بعض المناطق ذات الغالبية السنية، خصوصاً في القرى الحدودية شمالي البلاد.


فراغ سياسي وأزمة اقتصادية


ويرى خبراء أن تراجع الحضور السياسي التقليدي للسنة في لبنان، بعد اعتكاف رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سعد الحريري عن العمل السياسي عام 2019، خلق فراغاً استغلته الجماعة الإسلامية لتعزيز وجودها الاجتماعي والدعوي.


كما أسهمت الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يشهدها لبنان منذ سنوات في توسيع هامش حركة الجماعة، خاصة في المناطق الفقيرة، رغم أن غالبية الشارع السني اللبناني لا يزال بعيداً عن الانخراط الكامل في خطابها السياسي.


تقارب مع حماس وحزب الله


وبحسب مراقبين، فإن الانتخابات الداخلية التي جرت داخل الجماعة الإسلامية عام 2022 شكلت نقطة تحول، حيث أفرزت قيادة أقرب أيديولوجياً وسياسياً إلى حركة حماس الفلسطينية، التي تستلهم بدورها فكر الإخوان المسلمين الذي أسسه حسن البنا في مصر عام 1928.


وأقرّ الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان، محمد طقوش، في تصريحات سابقة لوكالة «أسوشيتد برس»، بوجود تنسيق وثيق بين جماعته وحزب الله اللبناني، المدعوم من إيران.


وأوضح طقوش أن الجماعة تتخذ قراراتها الميدانية بشكل مستقل، لكنها تنسق عملياتها مع حزب الله، مشيراً إلى أن جزءاً من الهجمات التي استهدفت القوات الإسرائيلية تم بالتنسيق مع حركة حماس، التي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع حزب الله.


ووصف طقوش التعاون مع حماس بأنه «شرف»، في تصريح اعتبره مراقبون دليلاً واضحاً على عمق التقارب بين الجماعة الإسلامية ومحور حماس – حزب الله.


جناح عسكري نشط


ولا يقتصر نشاط الجماعة الإسلامية على العمل السياسي والدعوي، إذ تمتلك جناحاً مسلحاً يُعرف باسم «قوات الفجر»، يضم نحو 500 عنصر مسلح، وفق تقديرات مراكز بحثية غربية.


وشارك هذا الجناح في عمليات عسكرية ضد إسرائيل، بالتنسيق مع حزب الله، ما عزز من مخاوف واشنطن من تحول الجماعة إلى أداة إضافية ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة» الذي تقوده إيران في المنطقة.


وظهرت مؤشرات إعادة تنشيط «قوات الفجر» بشكل واضح في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما أعلنت تنفيذ هجوم على شمال إسرائيل، قبل أن تتبع ذلك بإعلانات عن عمليات أخرى استهدفت مناطق مثل كريات شمونة.


دور يتجاوز القوة العسكرية


ويرى معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن أهمية الجماعة الإسلامية لا تكمن في قدراتها العسكرية المحدودة، بل في دورها كحلقة وصل بين حماس وحزب الله داخل المجتمع السني اللبناني.


وأشار المعهد إلى أن الجماعة توفر «غطاءً لبنانياً سنياً» لتحركات حماس وحزب الله، وتتمتع بقدرة أكبر على الوصول إلى الشارع السني، الذي ظل مهمشاً سياسياً خلال السنوات الأخيرة.


وفي مايو/أيار 2024، أثارت الجماعة جدلاً واسعاً بعد تنظيمها عرضاً عسكرياً مسلحاً خلال تشييع اثنين من قيادييها الذين قُتلوا في غارة إسرائيلية، في بلدة ببنين بمحافظة عكار شمالي لبنان، ما قوبل بانتقادات سياسية وشعبية حادة.


تداعيات القرار الأمريكي


وبموجب التصنيف الأمريكي الجديد، ستُفرض عقوبات مالية صارمة على الجماعة الإسلامية وشبكاتها، مع تجميد أي أصول أو ممتلكات قد تكون لها داخل الولايات المتحدة.


كما يُجرّم القرار أي دعم مادي أو لوجستي تقدمه شركات أو مؤسسات أو أفراد أمريكيون للجماعة، ما يقطع عملياً طرق التمويل الدولية ويحد من قدرتها على التحرك خارج لبنان.


ويرى محللون أن هذه الخطوة تمثل رسالة سياسية وأمنية واضحة من واشنطن، تؤكد فيها أن الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين، مهما اختلفت مسمياتها أو أدوارها المحلية، ستظل تحت الرقابة الصارمة إذا ثبت تورطها في أنشطة تهدد الأمن الإقليمي والدولي.
 


يضع التصنيف الأمريكي الجماعة الإسلامية في لبنان أمام مرحلة جديدة من العزلة السياسية والمالية، ويكشف في الوقت نفسه عن تحول نوعي في مقاربة واشنطن لتنظيم الإخوان وفروعه في المنطقة.


وبينما تترقب الأوساط اللبنانية تداعيات القرار على الداخل السياسي، يرى مراقبون أن الخطوة الأمريكية قد تسهم في إعادة رسم خريطة التحالفات داخل الساحة السنية اللبنانية، في ظل تصاعد الضغوط الدولية على الجماعات المرتبطة بالتنظيمات العابرة للحدود.