في خطوة تاريخية تهدف إلى إنهاء سنوات من الانقسامات والصراعات السياسية والاجتماعية، أعلن رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، اعتماد الميثاق الوطني للمصالحة الوطنية.
ويأتي هذا الإعلان وسط ترقب محلي ودولي واسع لمدى قدرة ليبيا على تجاوز جراح الماضي، وبناء مستقبل مستقر يضمن حقوق جميع الأطراف ومكونات المجتمع الليبي.
وخلال كلمته الافتتاحية، وصف المنفي الميثاق بأنه ثمرة جهد وطني صادق وإرادة جماعية آمنت بأن ليبيا لن تستقر أو تتقدم إلا عبر المصالحة والحوار والتسامح، مؤكدًا أن تغليب المصلحة الوطنية على أي اعتبار آخر هو الطريق الوحيد لبناء دولة عادلة.
وأوضح المنفي أن توقيع الميثاق ليس نهاية المسار، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب التزامًا جادًا لتحويل بنوده إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطن اليومية، مع التركيز على إعادة بناء الثقة بين الليبيين وتعزيز السلم الاجتماعي.
وأشار المنفي إلى دور المجلس الأعلى للسلم والمصالحة الوطنية في متابعة تنفيذ بنود الميثاق، وضمان استمرارية مسار المصالحة بما يعزز العدالة ويحقق جبر الضرر، مؤكدًا أن يوم 7 يناير/كانون الثاني من كل عام سيكون يومًا وطنيًا للسلم والمصالحة، باعتباره خيارًا استراتيجيًا وواجبًا دينيًا ووطنيًا ومسؤولية تاريخية تجاه الأجيال القادمة.

على الصعيد الحقوقي، لاقت خطوة اعتماد الميثاق ترحيبًا واسعًا من المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية. حيث أعربت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا عن دعمها الكامل للمبادرة، معتبرة أن الميثاق يشكل أساسًا لتحقيق المصالحة الوطنية والاجتماعية الشاملة، وتعزيز الأمن والاستقرار المجتمعي، وترسيخ التعايش السلمي بين جميع مكونات المجتمع الليبي.
وأكدت المؤسسة، في بيان رسمي، أن المصالحة لا تتحقق إلا عبر احترام قيم حقوق الإنسان، العدالة، وسيادة القانون، وجبر الضرر، مع مراعاة الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، والتي تستلزم تقديم التنازلات اللازمة من جميع الأطراف لإنقاذ ليبيا من دوامة العنف والانقسام السياسي والاجتماعي.
وقالت المؤسسة إن المصالحة ليست خيارًا سياسيًا مؤقتًا، بل واجب ديني وإنساني ووطني، وخيار استراتيجي ومسؤولية جماعية تجاه الوطن والأجيال الحالية والمستقبلية. وأكدت أن الميثاق يمثل خطوة أساسية لإعادة بناء الثقة بين الليبيين، وتعزيز الأمن الأهلي، ووضع أسس مستقبل عادل يحفظ كرامة الإنسان وحقوقه في ليبيا.
يُذكر أن مجلس النواب الليبي أقر في يناير/كانون الثاني من العام الماضي قانون المصالحة الوطنية بأغلبية أعضائه خلال جلسة عقدت بمدينة بنغازي، بهدف ترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز العدالة الانتقالية. لكن المجلس الرئاسي وصف الخطوة آنذاك بأنها "أحادية" واعتبرها تسييسًا للمشروع، في ظل وجود مقترح آخر كان قد رفعه المجلس الرئاسي إلى البرلمان.
وفي فبراير/شباط الماضي، شهدت العاصمة الإثيوبية توقيع "ميثاق السلام والمصالحة الوطنية" تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، إلا أن غياب بعض الأطراف الرئيسية عن مراسم التوقيع أثار تساؤلات حول شمولية الاتفاق وقدرته على تحقيق المصالحة الحقيقية.
تواجه عملية المصالحة في ليبيا عددًا من التحديات البارزة، أبرزها:
الانقسام المؤسسي والسياسي القائم بين مؤسسات الدولة المختلفة، وهو ما يعقد أي مساعٍ لتوحيد المسار السياسي والاجتماعي.
تأخر الاستحقاقات الانتخابية، والذي يعرقل إعادة بناء المؤسسات الوطنية بشكل كامل ويزيد من شعور بعض الأطراف بالاحتواء أو التهميش.
تطبيق العدالة الانتقالية وجبر الضرر، وهو ملف معقد يتطلب توفير آليات عملية لضمان أن يتلقى كل المتضررين تعويضاتهم، وأن يتم محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة بشكل عادل.
دمج جميع المكونات الاجتماعية والسياسية في مسار واحد جامع، لضمان مشاركة جميع الفصائل في صياغة مستقبل ليبيا وتجنب الانقسامات المستقبلية.
رغم هذه التحديات، يرى مراقبون أن خطوة اعتماد الميثاق تعتبر إشارة إيجابية قوية إلى إرادة القيادة الليبية في تجاوز الانقسامات والعمل على إعادة توحيد البلاد سياسيًا واجتماعيًا، وهو ما قد يساهم في تعزيز الاستقرار الأمني والاقتصادي.

يشمل الميثاق الوطني للمصالحة الوطنية على مجموعة من البنود الأساسية التي تهدف إلى إرساء العدالة الاجتماعية وتعزيز السلم الأهلي، من أبرزها:
تعزيز الثقة بين المواطنين عبر إصلاح العلاقات المجتمعية المتضررة من الصراعات السابقة.
جبر الضرر للمتضررين من النزاعات، سواء على المستوى المادي أو المعنوي.
تحقيق العدالة الانتقالية، بما يضمن مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم السابقة وفق القانون.
حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون، بوصفها حجر الأساس لأي عملية مصالحة ناجحة.
تعزيز التعايش السلمي بين المكونات الاجتماعية، بما يضمن عدم العودة إلى دوامة الانقسامات السابقة.
كما أكد المنفي أن تنفيذ بنود الميثاق يتطلب التزامًا من الجميع، سواء الأطراف السياسية أو المكونات الاجتماعية المختلفة، وأن المصالحة ليست مهمة قصيرة المدى، بل عملية مستمرة تتطلب متابعة دقيقة على مدار السنوات القادمة.
وحظي الميثاق الوطني باستقبال إيجابي من المجتمع المدني الليبي، حيث اعتبرت العديد من الجمعيات والمؤسسات المدنية أن الخطوة تمثل فرصة لإعادة بناء الثقة الوطنية وتعزيز السلم الاجتماعي. كما أشارت إلى أن نجاح المبادرة يتوقف على تطبيق بنود الميثاق على الأرض وضمان مشاركة جميع الأطراف.
وعلى المستوى الدولي، أبدت بعض المنظمات الحقوقية والدولية اهتمامها بالمبادرة، معتبرة أن أي عملية مصالحة في ليبيا يجب أن تراعي حقوق الإنسان، العدالة، والمشاركة الشاملة لجميع المكونات السياسية والاجتماعية، لضمان استدامة السلام وعدم العودة إلى حالة الانقسام والعنف.
يبقى السؤال الأكبر هل ستتمكن ليبيا من تجاوز جراح الماضي وتحقيق مصالحة حقيقية؟، خصوصًا في ظل الانقسامات المؤسسية والسياسية القائمة، وتأخر الاستحقاقات الانتخابية، وغياب بعض الأطراف عن عمليات التوقيع السابقة.
ويشير محللون إلى أن نجاح المصالحة يتطلب التزامًا حقيقيًا من جميع الأطراف، وتقديم تنازلات استراتيجية، وتفعيل آليات العدالة الانتقالية، لضمان بناء دولة قادرة على الصمود أمام التحديات.
ويؤكد خبراء أن اعتماد الميثاق الوطني يمثل خطوة أساسية، لكنها مجرد بداية، وأن الطريق نحو الاستقرار الدائم يتطلب إجراءات عملية على الأرض، ومتابعة مستمرة من المجلس الأعلى للسلم والمصالحة الوطنية، وتعاون المجتمع الدولي لضمان نجاح العملية.
إن اعتماد الميثاق الوطني للمصالحة الوطنية يعكس إرادة ليبيا في استعادة السلم الاجتماعي وتجاوز الانقسامات العميقة، لكنه يطرح تحديات كبيرة أمام القيادة الليبية لضمان تنفيذه بشكل فعلي وواقعي.
وبينما يتابع الليبيون والمراقبون عن كثب، يظل السؤال مطروحًا: هل ستنجح ليبيا في تجاوز جراح الماضي وتحويل الميثاق إلى واقع ملموس يحقق الاستقرار والأمن لكل مواطنيها؟