في خطوة تعكس تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل أوروبا، أعلن مسؤولون أوروبيون أن الاتحاد الأوروبي يعتزم تعليق الرسوم الجمركية المفروضة على انبعاثات الكربون الخاصة بالأسمدة المستوردة، وذلك في مسعى لتخفيف الأعباء المتزايدة عن المزارعين الأوروبيين، لا سيما في ظل موجة احتجاجات واسعة تشهدها عدة دول على رأسها فرنسا.
وقالت وزيرة الزراعة الفرنسية آني جنيفارد إن التوجه الأوروبي يأتي استجابة مباشرة لمعاناة القطاع الزراعي من ارتفاع تكاليف الإنتاج، موضحة أن مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش أكد إمكانية تعليق تطبيق آلية تعديل حدود الكربون على الأسمدة، بأثر رجعي اعتباراً من الأول من يناير الجاري. وأضافت الوزيرة الفرنسية، في تصريحات نشرتها عبر منصة “إكس”، أن هذا القرار من شأنه تخفيف الضغوط السعرية عن المزارعين، مؤكدة أنه لا توجد أي مبررات لرفع أسعار الأسمدة في حال تنفيذ التعليق.
احتجاجات متصاعدة في فرنسا
وتقود فرنسا منذ أسابيع تحركات دبلوماسية مكثفة داخل أروقة الاتحاد الأوروبي لحشد الدعم لإعفاء الأسمدة من الرسوم المرتبطة بانبعاثات الكربون، وذلك في ظل تصاعد احتجاجات المزارعين الفرنسيين الذين يشكون من ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتشديد القواعد البيئية، إضافة إلى المنافسة التي تفرضها الواردات الزراعية منخفضة التكلفة من خارج الاتحاد.

ويرى المزارعون أن فرض رسوم إضافية على الأسمدة، في هذا التوقيت، يزيد من هشاشة القطاع الزراعي ويهدد استدامته، خاصة مع الضغوط التي فرضتها سياسات التحول الأخضر الأوروبية، والتي تتطلب استثمارات إضافية لا يستطيع كثير من صغار المنتجين تحمّلها.
آلية الكربون بين الحماية والانتقاد
وكان الاتحاد الأوروبي قد بدأ، اعتباراً من يناير 2026، تطبيق آلية تعديل حدود الكربون (CBAM)، التي تهدف إلى حماية الصناعات كثيفة الانبعاثات داخل التكتل من المنافسة غير العادلة من منتجين في دول تطبق تشريعات مناخية أقل صرامة. وتشمل هذه الآلية قطاعات متعددة، من بينها صناعة الأسمدة، باعتبارها من أكثر الأنشطة الصناعية توليداً لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
غير أن هذه الآلية أثارت انتقادات واسعة من شركاء تجاريين للاتحاد الأوروبي، اعتبروا أنها تمثل شكلاً من أشكال الحمائية التجارية المقنّعة. وكانت الصين من بين أبرز الدول التي عبّرت عن اعتراضها، حيث تعهدت باتخاذ إجراءات مضادة لحماية صادراتها من التأثيرات السلبية لهذه الرسوم.
تداعيات اقتصادية محتملة
ويرى محللون أن تعليق ضريبة الكربون على الأسمدة قد يمنح المزارعين الأوروبيين متنفساً مؤقتاً، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات حول مدى التزام الاتحاد الأوروبي بأهدافه المناخية الطموحة. فالتوازن بين حماية البيئة ودعم القطاعات الإنتاجية بات تحدياً رئيسياً لصنّاع القرار في بروكسل، خاصة في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات التضخم في عدد من الدول الأعضاء.
وفي انتظار قرار رسمي ونهائي من المفوضية الأوروبية، يترقب المزارعون والأسواق الزراعية تداعيات هذه الخطوة، التي قد تشكّل سابقة لإعادة النظر في تطبيق بعض أدوات السياسة المناخية الأوروبية، بما يراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية إلى جانب الأهداف البيئية.