كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، نقلًا عن مصادر مطلعة على مجريات العملية، أن شخصًا يعمل داخل مؤسسات الحكومة الفنزويلية وكان على صلة مباشرة بـ وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) لعب دورًا محوريًا في مراقبة موقع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قبل تنفيذ عملية اعتقاله من قبل القوات الأميركية.
وبحسب الصحيفة، فإن هذا العميل الفنزويلي تولى مهمة جمع معلومات استخباراتية دقيقة حول تحركات مادورو وأماكن تواجده خلال الأيام التي سبقت العملية، في ظل إجراءات أمنية مشددة فرضتها السلطات الفنزويلية بهدف إخفاء تحركات الرئيس ومنع أي اختراق أمني محتمل.
وأوضحت نيويورك تايمز أن المعلومات التي وفرها العميل من داخل الجهاز الحكومي الفنزويلي كانت حاسمة في تمكين الجانب الأميركي من تحديد الموقع النهائي لمادورو، ما سمح بتنفيذ العملية في توقيت محسوب بعناية، وبأقل قدر ممكن من المخاطر على القوات المنفذة.
وأضافت الصحيفة أن التعاون الاستخباراتي لم يقتصر على نقل معلومات عامة، بل شمل تفاصيل دقيقة تتعلق بأنماط تحرك الرئيس الفنزويلي، وجدول تنقلاته، والتغيرات التي طرأت على الإجراءات الأمنية المحيطة به، وهو ما منح الأجهزة الأمنية الأميركية أفضلية استراتيجية خلال مرحلة التخطيط والتنفيذ.
وأشارت نيويورك تايمز إلى أن الكشف عن وجود عميل يعمل لصالح الاستخبارات الأميركية داخل مؤسسات الدولة الفنزويلية يفتح بابًا واسعًا من التساؤلات حول حجم الاختراق الأمني الذي تعاني منه الدولة الفنزويلية، ومدى قدرة أجهزتها على حماية دوائر صنع القرار في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، يرى محللون أن هذا الاختراق يعكس حالة الانقسام العميق داخل مؤسسات الحكم في فنزويلا، في ظل سنوات من العقوبات الأميركية والضغوط الاقتصادية والسياسية التي ألقت بظلالها على بنية الدولة وأجهزتها الإدارية والأمنية.
من جانبها، لم تصدر الحكومة الفنزويلية تعليقًا رسميًا يؤكد أو ينفي ما ورد في تقرير نيويورك تايمز، غير أن مصادر مقربة من وزارة الداخلية الفنزويلية أشارت إلى بدء تحقيقات داخلية واسعة لتحديد هوية الشخص أو الأشخاص المتورطين في تسريب المعلومات، وسط مخاوف من وجود شبكة أوسع من المتعاونين مع جهات خارجية.
وعلى الصعيد الدولي، أعادت هذه التسريبات تسليط الضوء على الدور الاستخباراتي الأميركي في أميركا اللاتينية، حيث تعتمد الولايات المتحدة الأميركية منذ عقود على شبكات معلومات محلية داخل دول المنطقة لتعزيز نفوذها السياسي والأمني، خاصة في الدول التي تشهد توترًا في علاقاتها مع واشنطن.
ويرى مراقبون أن ما كشفته نيويورك تايمز قد يؤدي إلى تداعيات سياسية كبيرة داخل فنزويلا، من بينها تشديد القبضة الأمنية، وإجراء تغييرات في القيادات الإدارية والأمنية، إضافة إلى احتمال توظيف القضية داخليًا لتعبئة الرأي العام ضد ما تصفه كاراكاس بـ”التدخل الأميركي في شؤونها الداخلية”.
كما يحذر خبراء من أن استمرار تسريب مثل هذه المعلومات قد يفاقم حالة عدم الاستقرار السياسي في البلاد، ويؤثر على مستقبل الحوار الداخلي، خاصة في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعيشها فنزويلا منذ سنوات.
ويخلص التقرير إلى أن عملية اعتقال مادورو، وما رافقها من تعاون استخباراتي من داخل الحكومة الفنزويلية، تمثل نقطة تحول خطيرة في المشهد السياسي للبلاد، وقد تفتح مرحلة جديدة من الصراع المفتوح بين كاراكاس وواشنطن، تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية إلى ساحات أكثر تعقيدًا.