منذ قرون بعيدة، ظهرت قصة رمزية عن ملك كان يقصّ زهور الخشخاش الأطول في حديقته، ليس لأنها ضارة، بل لأنها كانت مميزة عن غيرها.
ومع مرور الزمن، تحولت هذه الحكاية إلى مفهوم نفسي واجتماعي معاصر يُعرف باسم «متلازمة الخشخاش الطويل»، وهو مصطلح يصف ميل بعض الأفراد أو المجتمعات إلى محاربة المتفوقين والمتميزين بدلًا من تشجيعهم، لمجرد أنهم أفضل أو أنجح من غيرهم.

ولا تُعد متلازمة الخشخاش الطويل مرضًا نفسيًا، لكنها نمط سلوكي وثقافي واسع الانتشار، يتجلى في التقليل من إنجازات الناجحين، أو التشكيك في استحقاقهم للنجاح، أو اتهامهم بالغرور، وقد يبدو هذا السلوك أحيانًا بريئًا أو مبررًا أخلاقيًا، لكنه يحمل آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، لا تقتصر على الأفراد فقط، بل تمتد لتؤثر على المجتمع بأكمله.
وفي كثير من المجتمعات، لا يكون النجاح دائمًا سببًا للتقدير، بل قد يتحول إلى عبء نفسي واجتماعي على صاحبه، فبدلًا من أن يُقابل التفوق بالاحتفاء، يُستقبل أحيانًا بالنقد والسخرية والتشكيك، ويشبّه علماء النفس الشخص الناجح بزهرة خشخاش نمت أطول من غيرها، فيتم «قصّها» حتى لا تبرز، في محاولة لإعادة الجميع إلى مستوى واحد.

ولا يكون هذا السلوك دائمًا عدائيًا بشكل مباشر، بل قد يتخفى خلف مبررات أخلاقية، مثل التقليل من قيمة الإنجاز، أو نسب النجاح إلى الحظ أو العلاقات. وفي بيئات العمل، تظهر هذه المتلازمة من خلال عرقلة المتميزين أو التشكيك في نواياهم، ما يضر بالأداء المؤسسي ويخلق مناخًا يرفض التفوق، أما في المؤسسات التعليمية، فقد يتعرض الطلاب المتفوقون للعزلة أو السخرية، فيلجأ بعضهم إلى إخفاء قدراته خوفًا من الاستهداف. وعلى منصات التواصل الاجتماعي، يتحول النجاح أحيانًا إلى مادة للتشويه والاغتيال المعنوي.
نفسيًا، يؤدي هذا الضغط المستمر إلى انخفاض الثقة بالنفس، وزيادة القلق الاجتماعي، وتقليص الطموح، وعلى مستوى المجتمع، تسهم هذه المتلازمة في هدر المواهب وتراجع الابتكار، وبينما يُعد نقد التفاخر المبالغ فيه أمرًا صحيًا، فإن معاقبة التميز تظل سلوكًا هدامًا يدفع الجميع ثمنه.

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور كريم درويش، أخصائي الطب النفسي، أن متلازمة الخشخاش الطويل وصف سلوكي وثقافي أكثر من كونها تشخيصًا نفسيًا رسميًا، وتعكس ما يُعرف بعداوة النجاح، وأضاف أن رد الفعل الغريزي لدى بعض الأشخاص تجاه نجاح الآخرين قد يكون عدائيًا، لأن نجاح شخص ما يُشعرهم ضمنيًا بفشلهم الشخصي، فيلجؤون إلى التقليل من هذا النجاح بدلًا من الاقتداء به.
وأشار إلى أن هذا السلوك قد يرتبط بعدم النضج النفسي أو الإحساس بالدونية، كما قد تعود جذوره إلى أنماط تربوية خاطئة، أبرزها المقارنات المستمرة بين الأبناء أو بين الأفراد في بيئات العمل، والتي تزرع لدى الشخص اعتقادًا بأن نجاح الآخرين دليل على فشله هو، ومع مرور الوقت، يتحول هذا الشعور إلى عداء تلقائي لكل شخص ناجح.