تعود كل عام ذكرى ضحايا الحرب الكيميائية لتفتح جراحاً لم تندمل، وتستحضر ذاكرة إنسانية مثقلة بالكوارث التي خلّفتها الأسلحة المحرمة دولياً.

ورغم مرور عقود طويلة على أول استخدام موسع لهذه الأسلحة، فإن آثارها ما زالت ماثلة في حياة ملايين البشر، سواء من الناجين أو من أسر الضحايا أو حتى الأجيال الجديدة التي ورثت تبعات صحية وبيئية واجتماعية عميقة.
يستعرض هذا التقرير أبرز محطات استخدام الأسلحة الكيميائية، ويدقق في آثارها على الإنسان والبيئة، كما يسلط الضوء على الجهود الدولية المبذولة للحد من انتشارها ومنع تكرار المآسي التي عاشتها البشرية.
يفتح التاريخ الحديث سجل الحرب الكيميائية مع الحرب العالمية الأولى، حين أُطلقت غازات الكلور والخردل لأول مرة على نطاق واسع في جبهات أوروبا. وقد تسببت هذه الأسلحة في مقتل عشرات الآلاف وإصابة مئات الآلاف بإصابات دائمة. كان الهدف من استخدامها إحداث انهيار في صفوف الجنود، لكن ما حدث هو أن العالم أدرك حجم الرعب الذي يمكن أن تسببه الأسلحة السامة.
بين عامي 1980 و1988، شهد العالم واحدة من أبشع جرائم الحرب الكيميائية الحديثة، عندما استخدمت الغازات السامة في النزاع بين العراق وإيران.
شملت الهجمات مناطق حدودية واسعة، ما أدى إلى مقتل آلاف المدنيين والعسكريين، إضافة إلى إصابة عشرات الآلاف بإعاقات وأمراض مزمنة.
ومن أكثر المحطات ترويعاً في هذا السياق مجزرة حلبجة عام 1988، حيث قُتل أكثر من 5 آلاف مدني كردي في ساعات قليلة إثر قصف المدينة بغاز الخردل وسيانيد الهيدروجين، فيما عاش الناجون حياة طويلة من الألم والمعاناة الصحية والنفسية.

لم تنتهِ جرائم الأسلحة الكيميائية مع نهاية القرن العشرين؛ فقد سجل العقدان الأخيران استخداماً متكرراً للمواد السامة، خصوصاً في مناطق النزاعات الداخلية. من أبرز الأمثلة الهجمات في سوريا منذ عام 2013، والتي وثقتها لجان التحقيق الدولية وأكدت استخدام غازي السارين والكلور في عدة مواقع، ما تسبب بوفاة مئات المدنيين وإصابات الآلاف، غالبيتهم من الأطفال والنساء.
الأسلحة الكيميائية لا تقتل فقط، بل تغيّر مسارات الحياة لعقود. فالناجون من التعرض للغازات السامة يعانون من أمراض تنفسية مزمنة، تلف أعصاب، أمراض جلدية مستعصية، إضافة إلى اضطرابات نفسية حادة.
كما أن كثيراً من الأطفال المولودين لآباء تعرضوا للغازات يعانون من تشوهات خلقية أو تأخر في النمو، ما يوضح أن تأثير الأسلحة الكيميائية يمتد جينياً عبر الأجيال.
تتسرب المواد الكيميائية إلى التربة والمياه وتبقى آثارها لعقود، مسببة تلوثاً خطيراً يؤثر على الزراعة والحياة البرية.
في مناطق عديدة تعرضت للقصف الكيميائي، ما زالت النباتات والحيوانات تحمل آثار التلوث، بينما يصعب إعادة إعمار الأراضي أو تحويلها إلى مناطق صالحة للعيش.

تعيش المجتمعات التي تعرضت لهجمات كيميائية صدمات عميقة، حيث يواجه الناجون وأسرهم عزلة اجتماعية بسبب الأمراض المزمنة أو التشوهات، كما يعاني الأطفال من اضطرابات سلوكية نتيجة فقدان الأسرة أو الصدمات المباشرة.
هذه المجتمعات تتحول مع مرور الوقت إلى مناطق هشّة اجتماعياً واقتصادياً، خصوصاً مع غياب الدعم الدولي الكافي.
أُقرت الاتفاقية عام 1993 ودخلت حيّز التنفيذ عام 1997، ما شكل خطوة مفصلية في كبح انتشار الأسلحة المحرمة. وقد انضمت إليها أكثر من 190 دولة، لتصبح واحدة من أكثر الاتفاقيات شمولاً على مستوى العالم.
وتنص الاتفاقية على التخلص من مخزونات الأسلحة الكيميائية، ومنع إنتاجها ونقلها، وفرض رقابة دولية صارمة على المواد التي يمكن أن تُستخدم في تصنيعها.

تتولى المنظمة مراقبة تنفيذ الاتفاقية، وقد تمكنت خلال السنوات الماضية من تدمير نحو 98% من المخزونات المعلنة حول العالم. كما شاركت في التحقيق في العديد من الهجمات المشتبه بها، خصوصاً في سوريا، وقدمت تقارير مفصلة للأمم المتحدة حول استخدام هذه الأسلحة.
رغم التقدم المحقق، تواجه الجهود الدولية تحديات كبيرة، أبرزها:
عدم تعاون بعض الدول في الكشف عن مخزوناتها الفعلية.
تطور أنواع جديدة من المواد السامة يصعب رصدها.
لجوء جماعات غير حكومية إلى امتلاك مواد كيميائية أو استخدامها في هجمات محدودة.
وتؤكد هذه التحديات الحاجة المستمرة لتطوير آليات الرقابة الدولية وتعزيز التعاون بين الدول.
إحياء ذكرى ضحايا الحرب الكيميائية ليس مناسبة رمزية فحسب، بل هو تذكير عالمي بضرورة حماية البشرية من هذا السلاح المحرم، ومطالبة دائمة بمحاسبة المسؤولين عن استخدامه في أي مكان.
تسعى مجموعات الضحايا والناشطون حول العالم إلى إبقاء هذا الملف حاضراً في ضمير الإنسانية، عبر إقامة فعاليات سنوية، وتوثيق الجرائم، والدفع نحو تحقيق العدالة للضحايا.

ورغم مرور عقود على أولى هذه الجرائم، فإن الألم لا يزال قائماً، والذاكرة الجماعية تحمل مسؤولية نقل الحقيقة للأجيال المقبلة، حتى لا تتكرر الكارثة مرة أخرى.
إن ذكرى ضحايا الحرب الكيميائية تظل شاهداً حيّاً على واحدة من أحلك الصفحات في تاريخ البشرية. ورغم الجهود الكبيرة المبذولة دولياً لإحلال السلام ومنع تكرار الجرائم، فإن الطريق ما زال طويلاً، والمسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي بأسره لحماية الإنسان والبيئة من هذه الأسلحة، وضمان ألا يكون المستقبل امتداداً للماضي المؤلم.