دراسات وأبحاث

لماذا أنهت أمريكا خدمة «براولر» أيقونة الحرب الإلكترونية؟

الأحد 30 نوفمبر 2025 - 12:03 ص
هايدي سيد
الأمصار

على مدى ما يقارب خمسة عقود، ظلّت طائرة براولر EA-6B إحدى أكثر المنصات العسكرية تأثيرًا في منظومة الحرب الإلكترونية التابعة للبحرية الأمريكية، بعدما شكّلت منذ دخولها الخدمة عام 1971 حجر الزاوية في قدرة الولايات المتحدة على فرض السيطرة على الفضاء الكهرومغناطيسي، وهو أحد أكثر ميادين الصراع تطورًا في الحروب الحديثة.

ورغم سجلها التشغيلي الطويل ونجاحاتها التي امتدت من سماء فيتنام وحتى العراق وأفغانستان، فوجئ كثيرون بقرار وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تحويل هذه الطائرة إلى التقاعد الكامل عام 2019، في خطوة أنهت تاريخًا عسكريًا طويلاً لمقاتلة حربية لم يكن خروجها مرتبطًا بتراجع قدراتها، بقدر ما ارتبط بتقادم هياكلها الجوية وارتفاع تكاليف صيانتها بصورة غير قابلة للاستمرار.

منصة ولدت من رحم الحاجة

بدأت قصة براولر مع الحاجة المتزايدة خلال ستينيات القرن الماضي إلى امتلاك منصة قادرة على مرافقة القاذفات والمقاتلات الأمريكية، وتعطيل الأنظمة الدفاعية للرادارات السوفيتية والخصوم في مناطق النزاع. تولّت تطويرها شركة “غرومان” الأمريكية، بالاعتماد على تصميم الطائرة الهجومية الشهيرة A-6 Intruder، لكنها جاءت بطول أكبر وقمرة قيادة موسّعة تتسع لأربعة أفراد.

ضمّ طاقم براولر طيارًا وثلاثة ضباط حرب إلكترونية، وهو ما جعلها أشبه بـ"غرفة عمليات طائرة" قادرة على إدارة مشهد الحرب الإلكترونية بكفاءة عالية، عبر أنظمة تشويش متقدمة وتحليل مستمر لإشارات العدو وتقنيات مكافحة الرادارات.

عمود الحرب الإلكترونية الأمريكية

لم تكن براولر مجرد طائرة تُطلق الصواريخ؛ بل كانت الأساس الذي بُنيت عليه عقيدة الحرب الإلكترونية الأمريكية الحديثة. وقد اعتمدت عليها القوات البحرية ومشاة البحرية (المارينز) في تنفيذ مئات العمليات حول العالم، خصوصًا في:

حرب فيتنام

حرب الخليج الأولى (1991)

عمليات كوسوفو (1999)

غزو العراق (2003)

الحرب في أفغانستان

عمليات ليبيا (2011)


برزت براولر في تلك المعارك كدرعٍ يحمي المقاتلات الأمريكية من الدفاعات الجوية المعادية، بفضل قدرتها على تعطيل الرادارات وإرباك الأنظمة الصاروخية الأرضية.

سرّ تفوقها.. نظام ALQ-99

أهم عنصر ميّز براولر كان نظام التشويش التكتيكي AN/ALQ-99، وهو مجموعة من الحاضنات الإلكترونية المثبتة على نقاط تعليق أسفل الأجنحة، قادرة على:

قطع الاتصالات العسكرية للخصم

حجب موجات الرادار

تشويش أنظمة الدفاع الجوي

فتح ممرات آمنة للمقاتلات والقاذفات

دعم العمليات الهجومية عبر تمويه مواقع إطلاق الصواريخ المعادية


وإلى جانب التشويش، زُوّدت الطائرة بصواريخ AGM-88 HARM المضادة للإشعاع، والتي تستهدف تلقائيًا مصادر الانبعاثات الرادارية. 

وبهذا كانت براولر تجمع بين وظيفتين متكاملتين: شلّ أنظمة الخصم وتعطيلها ثم تدميرها عند الحاجة.

مواصفات مكّنتها من أداء استثنائي

رغم أن براولر لم تكن طائرة سريعة مقارنة بمقاتلات التفوق الجوي الحديثة، إلا أن سرعتها التي تصل إلى 1050 كم/ساعة وقدرتها على التحليق المستقر لفترات طويلة جعلتاها مثالية لتنفيذ المهام الإلكترونية الممتدة. 

كما مكّنها بدنها الضخم من حمل:

حمولة تصل إلى 8164 كغم

خمس نقاط تعليق خارجية

مجموعة واسعة من المستشعرات

أنظمة اتصالات عسكرية مشفرة


بلغ مدى الطائرة حوالي 3745 كيلومترًا، فيما وصل سقف الارتفاع إلى نحو 11.5 كيلومتر، وهي مواصفات وفّرت لها قدرة على تنفيذ مهام معقدة في أجواء عدائية وعلى مسافات بعيدة من قواعد الإقلاع.

رحلة خدمة امتدت 48 عامًا

دخلت أول دفعة من طائرات براولر إلى الخدمة في البحرية الأمريكية عام 1971، وبعد سنوات قليلة أصبحت عنصرًا أساسيًا في العمليات الأمريكية خارج الحدود. وخلال حرب الخليج، أدّت براولر دورًا حاسمًا في شلّ الدفاعات الجوية العراقية، مما أتاح للقوات الجوية تنفيذ غاراتها بدقة ومن دون خسائر كبيرة.

كما لعبت دورًا بالغ الأهمية في أفغانستان والعراق بعد 2001، حيث كانت مهمتها رصد وتحديد مصادر الاتصالات اللاسلكية لدى الجماعات المسلحة، بجانب التشويش على أنظمة التفجير عن بُعد.

لماذا خرجت من الخدمة إذًا؟

رغم قدرتها الهائلة، فإن الطائرة وُلدت من تصميم يعود إلى ستينيات القرن الماضي، ومع مرور الوقت واجهت مشكلات كبيرة:

1. تقادم الهياكل الجوية
معظم هياكل براولر تجاوزت الحدّ العمر التشغيلي، وأصبح إصلاحها أو تحديثها يتطلب ميزانيات ضخمة.


2. ارتفاع تكاليف الصيانة
مع تقدم التكنولوجيا، أصبحت صيانة أنظمة قدراتها الإلكترونية القديمة أكثر صعوبة مقارنة بالأنظمة الرقمية الحديثة.


3. تغيّر طبيعة الحرب الإلكترونية
لم تعد الولايات المتحدة ترغب في الاعتماد على طائرة واحدة ضخمة تحمل فريقًا كاملًا من الضباط؛ بل انتقلت إلى مفهوم "المنصات المتعددة".


4. ظهور بديل أكثر حداثة
دخلت الطائرة EA-18G Growler الخدمة، وهي نسخة متقدمة من مقاتلة سوبر هورنت، تمتلك قدرات أحدث وأكثر توافقًا مع أنظمة القتال الشبكي.

 

غراولر.. الوريثة الحديثة

تمثّل غراولر EA-18G فلسفة جديدة بالكامل في الحرب الإلكترونية الأمريكية. فهي:

أسرع

أكثر قدرة على المناورة

مزودة بأنظمة تشويش رقمية متقدمة

تعمل كجزء من شبكة تواصل قتالية واسعة

أقل تكلفة من حيث التشغيل والصيانة


ومع وجودها، أصبح بالإمكان نشر مهام التشويش على نطاق أوسع، باستخدام طائرات مسيّرة، ومنصات بحرية، وأنظمة سيبرانية، دون الحاجة إلى الاعتماد على طائرة متخصصة واحدة.

تحول في العقيدة القتالية الأمريكية

يبدو أن قرار إيقاف براولر لا يرتبط فقط بتقادمها، بل يعكس توجهًا أوسع في العقيدة العسكرية الأمريكية. فالولايات المتحدة انتقلت إلى مفهوم جديد يعتمد على:

الحرب الإلكترونية الموزعة

القدرات السيبرانية المتكاملة

أنظمة الاستشعار المشتركة

الطائرات الشبحية والمسيّرات بعيدة المدى


أصبحت الحرب الإلكترونية جزءًا من كل منصة قتالية، وليس اختصاصًا منفصلًا لطائرة واحدة. وهذا ما قامت به الولايات المتحدة لتقليل المخاطر وتعزيز المرونة التشغيلية.

إرث لا يُنسى

رغم خروجها من الخدمة، تبقى براولر واحدة من أهم الطائرات في تاريخ الحرب الإلكترونية. 

فقد مكّنت القوات الأمريكية من دخول أكثر البيئات عداءً دون خسائر كبيرة، وساهمت في صياغة مفهوم السيطرة على الفضاء الكهرومغناطيسي.

ولذلك تُعامل في الأوساط العسكرية الأمريكية كـ"أسطورة"، بعدما أثبتت طوال 48 عامًا أن السيطرة على السماء لا تُقاس دائمًا بقوة التسليح، بل بقدرة الطائرة على تعطيل الخصم قبل أن يرى ما يحدث.

المواصفات الفنية للطائرة EA-6B Prowler

سنة دخول الخدمة: 1971

عدد النسخ المنتجة: 170 طائرة

الطول: 18 مترًا

باع الجناح: 16.15 مترًا

الوزن الأقصى للإقلاع: 27,670 كغم

السرعة القصوى: نحو 1050 كم/ساعة

المدى: 3745 كيلومترًا

سقف الارتفاع: 11,500 متر

الحمولة: 8164 كغم عبر خمس نقاط تعليق

الطاقم: 4 أفراد (طيار + 3 ضباط حرب إلكترونية)