دراسات وأبحاث

اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني… ذاكرة نضال متجدّدة ومسؤولية دولية مستمرة

السبت 29 نوفمبر 2025 - 12:32 م
ابراهيم ياسر
الأمصار

يُحيي العالم في التاسع والعشرين من نوفمبر من كل عام اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وهي مناسبة أممية اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1977، بهدف التذكير بمعاناة الفلسطينيين الممتدة منذ أكثر من سبعة عقود، وتسليط الضوء على حقوقهم الوطنية غير القابلة للتصرف، بما في ذلك حقهم في تقرير المصير، وإقامة دولتهم المستقلة على حدود 1967، وعودة اللاجئين إلى ديارهم. يأتي هذا اليوم ليعيد التأكيد على أن القضية الفلسطينية ليست قضية محلية تخص شعباً واحداً، بل قضية عدالة إنسانية تهم المجتمع الدولي بأسره.

اليوم.. الجامعة العربية تنظم فعالية "اليوم العالمي للتضامن مع الشعب  الفلسطيني" - بوابة الأهرام

خلفية تاريخية.. ذكرى التقسيم وبداية المأساة

يرتبط اختيار هذا التاريخ بصدور القرار 181 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947، المعروف بقرار تقسيم فلسطين، والذي شكّل نقطة التحول الكبرى في تاريخ المنطقة. فمنذ ذلك اليوم، وما تلاه من تهجير واسع عام 1948، يعيش ملايين الفلسطينيين في الشتات، بينما يعاني من بقي منهم في الداخل من الاحتلال العسكري وفقدان الأرض والحقوق. ومن هنا جاءت أهمية تخصيص هذا اليوم لتذكير العالم بجذور الصراع ومسؤولياته التاريخية والسياسية تجاهه.

قضية مستمرة ومعاناة متجددة

يحمل اليوم العالمي للتضامن هذا العام خصوصية إضافية في ظل الأحداث المتصاعدة في الأراضي الفلسطينية، وخاصة بعد موجات العنف الأخيرة في قطاع غزة والضفة الغربية، والتي أدت إلى سقوط آلاف الضحايا وتدمير واسع للبنية التحتية. ورغم الدعوات الدولية لوقف التصعيد، ما يزال الفلسطينيون يواجهون تحديات كبرى تشمل الحصار المفروض على غزة منذ أكثر من 17 عاماً، وتوسّع الاستيطان في الضفة الغربية، إضافة إلى الاعتقالات التعسفية والانتهاكات اليومية التي تطال المدنيين.

وتؤكد منظمات حقوقية دولية أن استمرار هذا الوضع يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، وأن عدم محاسبة مرتكبي الانتهاكات ساهم في تعميق الأزمة وتفاقمها. ومع ذلك، ما يزال الشعب الفلسطيني متمسكاً بحقوقه الوطنية، ويواصل نضاله بسلمية وشجاعة رغم الظروف القاسية.

اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني

دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي

منذ اعتماد اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، تنظّم الأمم المتحدة سنوياً فعاليات وجلسات خاصة تسلط فيها الضوء على مسار القضية، وتعرض تقارير حول الأوضاع الإنسانية والسياسية في الأراضي المحتلة. كما تدعو الدول الأعضاء إلى اتخاذ خطوات فعلية لدعم الحقوق الفلسطينية، سواء عبر تقديم المساعدات الإنسانية أو دعم القرارات الدولية ذات الصلة.

ورغم صدور مئات القرارات عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن منذ عام 1948، فإن تنفيذها بقي محدوداً، في ظل غياب آليات إلزامية تفرض على الاحتلال الالتزام بالقانون الدولي. ومع ذلك، يشكل هذا اليوم منصة مهمة للدول التي تؤيد الحقوق الفلسطينية لتعزيز مواقفها وممارسة الضغط السياسي والدبلوماسي.

أهمية اليوم في الوعي العربي والعالمي

لا يقتصر هذا اليوم على البعد السياسي، بل يحمل بعداً إنسانياً يعكس روح التضامن بين الشعوب. ففي العديد من الدول العربية والأجنبية تُنظم فعاليات ثقافية وإعلامية وفنية للتعريف بالقضية الفلسطينية، واستعادة رواية الشعب الفلسطيني أمام محاولات تشويهها أو محوها. وتشارك مؤسسات حقوقية وجمعيات مجتمع مدني في تكريم صمود الفلسطينيين، والدعوة لتقديم الدعم الإغاثي والحقوقي لهم، خاصة في ظل التدهور الاقتصادي والمعيشي في غزة والضفة الغربية.

كما يشكّل هذا اليوم فرصة لتعزيز الوعي العالمي بقضية اللاجئين الفلسطينيين، الذين يشكلون أكبر وأقدم كتلة لجوء في العالم، إذ يعيش ملايين منهم في مخيمات بالشرق الأوسط منذ أكثر من 75 عاماً، وما يزالون محرومين من حق العودة الذي نصت عليه القرارات الدولية.

مناسبة رمزية ومسؤولية عملية

على الرغم من أن اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني يحمل طابعاً رمزياً، فإنه يُعد أيضاً محطة تذكير بضرورة اتخاذ خطوات ملموسة لإنهاء معاناة الفلسطينيين وتحقيق السلام العادل. فالعدالة لا تتحقق بالتصريحات والفعاليات فقط، بل تحتاج إلى إرادة دولية حقيقية تُلزم الاحتلال بوقف سياساته، وتضمن للشعب الفلسطيني حقوقه كاملة غير منقوصة.

وفي ظل الظروف الحالية، يصبح التضامن العالمي ليس مجرد واجب أخلاقي، بل مسؤولية إنسانية وتاريخية، من أجل إحقاق الحق، وصون الكرامة، وتمهيد الطريق نحو مستقبل أكثر عدلاً وسلاماً للشعب الفلسطيني.