دراسات وأبحاث

غزة بين الأخضر والأحمر.. خطة أمريكية لإعادة الإعمار وسط دمار واسع

الأحد 16 نوفمبر 2025 - 12:10 ص
مصطفى سيد
الأمصار

كشفت وثائق عسكرية أمريكية سرية وتصريحات حصرية لمسؤولين بارزين عن خطط إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتقسيم قطاع غزة إلى منطقتين متميزتين تمامًا، في خطوة وصفها مراقبون بالجدلية والمعقدة، إذ تجمع بين محاولة إعادة الإعمار من جهة، وترك أجزاء واسعة من القطاع مدمرة من جهة أخرى.

وفقًا للوثائق التي اطلعت عليها صحيفة "الغارديان"، ستقسم الخطة القطاع إلى "منطقة خضراء" خاضعة لسيطرة عسكرية دولية مشتركة مع إسرائيل، وتشهد عمليات إعمار مكثفة، و"منطقة حمراء" تُترك مدمرة بالكامل دون أي خطط ملموسة لإعادة البناء، في نموذج يذكر بتجارب أمريكية سابقة فاشلة في بغداد وكابول.

ويشير التخطيط العسكري الأمريكي إلى أن الانتشار التدريجي للقوات الدولية سيبدأ في شرق غزة بالتزامن مع وجود عسكري إسرائيلي مكثف، بينما تظل المنطقة الغربية الواقعة خلف ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" تحت سيطرة إسرائيلية جزئية لكنها مهيمنة. ومن المتوقع أن يؤدي هذا التقسيم إلى ترك غالبية السكان الفلسطينيين في مناطق مدمرة تفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية، بما فيها مياه نظيفة وكهرباء ورعاية صحية.

وفي تصريح خاص لمسؤول أمريكي رفيع، قال: "من الناحية المثالية نرغب في توحيد القطاع بالكامل تحت إدارة موحدة، لكن هذا يبقى مجرد طموح نظري بعيد المنال. الأمر لن يكون سهلاً على الإطلاق وسيتطلب وقتًا طويلاً قد يمتد لسنوات عديدة".

تطور الاستراتيجية الأمريكية

خلال الأسابيع الماضية، تخلت الولايات المتحدة بشكل مفاجئ عن خططها السابقة الطموحة لإنشاء ما كان يُعرف بـ"المجتمعات الآمنة البديلة"، وهي الخطة التي كانت تهدف إلى حصر مجموعات صغيرة من الفلسطينيين في مخيمات مسيجة ومحكمة الإغلاق.

ولم يتم بعد إبلاغ المنظمات الإنسانية الدولية بهذه التغييرات الجوهرية في الاستراتيجية، رغم تحذيراتها المتكررة والمستمرة من المخاطر الكارثية للنموذج السابق على الظروف الإنسانية للسكان. ويثير هذا الأمر قلق المنظمات الدولية بشأن إمكانية تكرار التجارب السابقة التي فشلت في تحقيق الأمن والاستقرار للسكان المدنيين.

القوة الدولية ودورها

تقوم الخطة الأمريكية على إنشاء قوة استقرار دولية، تشكل حجر الأساس في خطة الرئيس ترامب للسلام المكونة من 20 بندًا، والتي أُعلنت سابقًا. وتسعى واشنطن للحصول على تفويض رسمي من مجلس الأمن الدولي، على أن تعلن الدول المشاركة لاحقًا عن مساهماتها المالية والبشرية بعد دراسة النص النهائي للقرار.

وقال المسؤول الأمريكي في هذا السياق: "الخطوة الأولى والحاسمة هي تمرير القرار عبر مجلس الأمن. الدول لن تلتزم نهائيًا ولا يمكنها تقديم أي التزامات مسبقة قبل الاطلاع على النص المعتمد والمتفق عليه دوليًا".

وتكشف الوثائق أن القيادة العسكرية الأمريكية الإقليمية (سنتكوم) أعدّت خططًا دقيقة لنشر قوات أوروبية متنوعة تشمل: 1500 جندي بريطاني متخصص في إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، و1000 جندي فرنسي لتأمين الطرق وخطوط الإمداد، إضافة إلى قوات متخصصة من ألمانيا وهولندا ودول الشمال الأوروبي لتقديم الخدمات الطبية والدعم اللوجستي.

لكن مصادر دبلوماسية أوروبية وصفت هذه الخطط بـ"الوهمية" و"غير الواقعية"، مشيرة إلى التردد الكبير بين القادة الأوروبيين بعد التجارب المريرة والمكلفة في العراق وأفغانستان.

تشير الخطة الأمريكية إلى أن مهام القوة الدولية ستقتصر على المنطقة الخضراء فقط، على أن يبدأ الانتشار بعدة مئات من الجنود ويتوسع تدريجيًا ليصل إلى 20 ألف جندي. ولن تعمل هذه القوة غرب الخط الأصفر، حيث من المتوقع أن تعيد حركة حماس ترسيخ سيطرتها بشكل تدريجي.

كما تنص الخطة على إنشاء "قوة شرطة فلسطينية جديدة" تبدأ بعدد محدود لا يتجاوز 200 عنصر، لتصل تدريجيًا إلى 4000 عنصر بعد عام كامل. ويأمل المخططون الأمريكيون أن تكون عمليات إعادة الإعمار المكثفة في المنطقة الخضراء وسيلة لجذب المدنيين الفلسطينيين للانتقال إليها، رغم التحذيرات من تكرار نموذج المناطق الخضراء المعزولة التي فشلت سابقًا في بغداد وكابول.

تشير بيانات الأمم المتحدة إلى تدمير أكثر من 80 في المئة من منشآت غزة، بما فيها المدارس والمستشفيات والمرافق الحيوية. ويعيش أكثر من مليوني فلسطيني في المنطقة الحمراء المخطط لها، على مساحة تقل عن نصف القطاع، دون أي وصول إلى المياه النظيفة أو المأوى المناسب أو الرعاية الصحية الأساسية.

ويحذر الوسطاء الدوليون من أن الوضع في غزة أصبح يشبه "حالة اللا حرب واللا سلام"، مع استمرار الهجمات الإسرائيلية المتقطعة وغياب أي حكم فلسطيني فعلي، ما يهدد استقرار المنطقة بأكملها ويزيد من المعاناة الإنسانية اليومية للسكان إلى مستويات غير مسبوقة.

ويعتبر مراقبون أن أي تنفيذ فعلي للخطة الأمريكية سيشكل اختبارًا حقيقيًا للقدرة الدولية على تقديم الدعم الإنساني، بينما يسعى الفلسطينيون للبقاء في مناطقهم رغم الدمار الشامل، في حين تظل المخاطر الأمنية والإنسانية قائمة على كل الأصعدة.