المغرب العربي

الانقسام السياسي وأزمة السيولة يضعان «المركزي الليبي» تحت الضغط

الأحد 02 نوفمبر 2025 - 08:56 م
هايدي سيد
الأمصار

بعد عام واحد فقط على توليه منصبه، يجد محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى نفسه في قلب العاصفة السياسية والاقتصادية، مع تصاعد الضغوط عليه من قبل البرلمان الليبي الذي استدعاه رسميًا للمساءلة الأسبوع المقبل حول ملفات مالية ونقدية حساسة، أبرزها أزمة السيولة الخانقة التي تعصف بالبلاد.

ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بسياسات البنك المركزي أو أدائه الفني، بل تعكس في جوهرها الانقسام السياسي والمؤسسي العميق الذي يهيمن على ليبيا منذ سنوات. فالمصرف، الذي يُفترض أن يكون مؤسسة مستقلة، أصبح مضطرًا للتعامل مع حكومتين متنافستين: حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة أسامة حماد المدعومة من البرلمان وقائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر في الشرق، وهو ما جعل رسم سياسات نقدية موحدة أمرًا شبه مستحيل.

وقال عضو مجلس النواب سليمان سويكر إن مساءلة المحافظ «مشروعة من حيث المبدأ»، لكنه اعتبر أن تحميله وحده مسؤولية الأزمة «غير منصف»، نظرًا لأن المصرف يعمل في بيئة منقسمة تحدّ من قدرته على الرقابة الموحدة أو إدارة السياسة النقدية بكفاءة. وأشار إلى أن بعض النواب يطالبون بتغييره في إطار إعادة توزيع المناصب السيادية، إلا أنه لا توجد خطوات عملية في هذا الاتجاه حتى الآن.

ووفق بيانات المصرف المركزي الصادرة في أبريل الماضي، بلغ إجمالي الإنفاق العام المزدوج لعام 2024 نحو 224 مليار دينار، بينها 123 مليارًا لحكومة الدبيبة و59 مليارًا لحكومة حماد، فيما بلغت الإيرادات النفطية والضريبية 136 مليار دينار. وأكد المصرف أن هذا الإنفاق أدى إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبي بنحو 36 مليار دولار، مما تسبب في اتساع الفجوة بين العرض والطلب وأضعف استقرار سعر الصرف.

من جهته، استبعد عضو المجلس الأعلى للدولة علي السويح إمكانية إقالة المحافظ خلال الجلسة المقبلة، معتبرًا أن ما يحدث «استهلاك إعلامي» أكثر من كونه إجراءً فعليًا، خاصة أن الأزمات المالية «نتاج مباشر لتعدد مراكز القرار وتضارب المصالح بين الحكومتين والبرلمان».

أما المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ فرأى أن الاستدعاء البرلماني للمحافظ «يخفي ضغوطًا سياسية» بعد رفضه تمرير أوامر صرف كبيرة، مشيرًا إلى أن المصرف تعاقد مؤخرًا مع شركة أميركية للمراجعة المالية، وهو ما أثار غضب أطراف كانت تستفيد من غياب الرقابة. وأضاف محفوظ أن «الفساد المتنامي وتوقيع عقود إعادة الإعمار دون رقابة واقعية يفاقمان الطلب على الدولار، ويؤديان إلى تدهور قيمة الدينار رغم ضخ المليارات في السوق».

في المقابل، دافع الأكاديمي الليبي حمزة عقيلة عن حق البرلمان في استدعاء المحافظ، منتقدًا ضعف ثقة المواطنين في الجهاز المصرفي واستمرار الاعتماد على النقد الورقي. وقال إن المواطن الليبي «يفضل الاحتفاظ بالنقود في منزله على إيداعها في المصارف بسبب تجاربه السابقة مع أزمات السيولة وطوابير السحب الطويلة».

ومع استمرار الانقسام السياسي والإنفاق المزدوج، يرى خبراء أن المصرف المركزي يقف أمام معادلة صعبة: بين الحفاظ على استقلاله المالي وبين مواجهة الضغوط السياسية التي تهدد بتقويض ما تبقى من استقرار نقدي في ليبيا.