في ظل واقع أمني متقلب تعيشه القارة الأوروبية، خاصةً بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، تزايدت المخاوف من اتساع رقعة الصراع وتطوره إلى تهديد مباشر لدول حلف الناتو.
هذه التحديات دفعت ألمانيا إلى إطلاق واحدة من أكثر المبادرات الدفاعية طموحًا في تاريخ أوروبا الحديث، وهي مشروع "درع السماء الأوروبية" أو ما يُعرف بالإنجليزية بـ European Sky Shield Initiative (ESSI).
تسعى هذه المبادرة إلى إنشاء مظلة دفاع جوي مشتركة تغطي سماء القارة الأوروبية، باستخدام تكنولوجيا متعددة الطبقات، تشمل الدفاع القصير والمتوسط والبعيد المدى، من أجل صدّ الصواريخ الباليستية والطائرات المُسيّرة والمقاتلات المعادية.
أُطلقت المبادرة رسميًا في أكتوبر 2022 بمبادرة من ألمانيا، الدولة صاحبة الثقل الاقتصادي والسياسي في الاتحاد الأوروبي. وجاء الإعلان عنها بالتزامن مع تصاعد الهجمات الصاروخية الروسية على أوكرانيا، وظهور تحديات غير تقليدية في ساحة المعركة، مثل الهجمات بالطائرات المُسيّرة الإيرانية الصنع.
رأت ألمانيا أن الدفاع الجوي الأوروبي يعاني من خلل واضح، نظرًا لعدم وجود منظومة موحدة، ما جعل كل دولة تتصرف بمعزل عن الأخرى. وبدلًا من تكرار الجهود أو الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة، طُرحت فكرة بناء مظلة جماعية تشمل دول أوروبا، وتعزز قدرات الردع المشتركة.
تهدف مبادرة "درع السماء الأوروبية" إلى:
تعزيز القدرات الدفاعية الجوية ضد التهديدات الصاروخية والباليستية.
تقليل الاعتماد على المنظومات الأمريكية، وتكثيف التصنيع الأوروبي المحلي حيث أمكن.
تحقيق التكامل العسكري بين دول القارة، في إطار الناتو وخارجه.
توزيع التكاليف الدفاعية المرتفعة بشكل عادل بين الدول المشاركة.
رفع الجاهزية الجماعية في مواجهة أي اعتداء محتمل على أراضي الحلف.
تعتمد المنظومة المقترحة على عدة أنظمة دفاعية تغطي مستويات مختلفة من التهديدات، وتشمل:
المدى القصير:
نظام Skyranger 30 المضاد للطائرات المُسيّرة والطائرات منخفضة الارتفاع.
المدى المتوسط:
منظومة IRIS-T SLM، ألمانية الصنع، بمدى يصل إلى 40 كم، وتُستخدم حاليًا بنجاح في أوكرانيا.
المدى الطويل:
منظومة باتريوت الأمريكية (MIM-104)، القادرة على صدّ الطائرات والصواريخ الباليستية.
المدى البعيد جدًا (خارج الغلاف الجوي):
منظومة Arrow 3 الإسرائيلية، التي اشترتها ألمانيا بقيمة تقارب 4 مليارات يورو، لتشكل حجر الأساس للطبقة العليا من الدفاع الجوي الأوروبي.
عند إعلان المبادرة، انضمت إليها 15 دولة من حلف شمال الأطلسي. ومع مرور الوقت، تزايد عدد الدول المُنضمة، ليصل إلى 24 دولة بحلول منتصف 2025، من بينها:
السويد وفنلندا، اللتان انضمتا بعد تسريع إجراءات عضويتهما في الناتو.
الدنمارك وسويسرا، رغم موقف الأخيرة المحايد تاريخيًا، انضمت بسبب تزايد التهديدات.
تركيا واليونان، رغم التوترات الثنائية، شاركتا في المبادرة في إطار مساهمتهما كقوتين دفاعيتين في المنطقة.
البرتغال، ألبانيا، التشيك، سلوفاكيا، رومانيا، ودول أخرى من أوروبا الشرقية.
هذا التوسع يبرز تزايد قناعة الدول الأوروبية بأن الأمن الجماعي لم يعد خيارًا، بل ضرورة وجودية.
رغم أن المبادرة تُدار بشكل أوروبي، إلا أن جزءًا كبيرًا من تقنياتها الدفاعية يأتي من خارج القارة، ما أثار انتقادات من بعض الدول، وعلى رأسها فرنسا.
Arrow 3: من إنتاج إسرائيلي-أمريكي مشترك، ويمثل أعلى طبقة دفاعية في المبادرة.
IRIS-T: ألمانية بالكامل، وتعد أبرز نموذج للتصنيع الدفاعي الأوروبي.
رادارات TRML-4D: تصنعها شركة HENSOLDT الألمانية، وتُستخدم لاكتشاف 1500 هدف ضمن مدى 250 كم.
Spexer 2000 3D MkIII: رادارات متطورة للكشف عن الطائرات المُسيّرة منخفضة الارتفاع.
المشروع يسعى أيضًا إلى توطين بعض الصناعات الدفاعية داخل أوروبا عبر إنشاء خطوط إنتاج ومراكز صيانة وتحديث خاصة بالمنظومات المعتمدة.
لم تخلُ المبادرة من انتقادات، أبرزها جاء من فرنسا، التي اعتبرت أن المشروع يُفرط في الاعتماد على تكنولوجيا إسرائيلية وأمريكية. باريس، من جانبها، تروّج لحلول أوروبية أكثر استقلالًا، مثل نظام "SAMP/T" الذي تطوره بالشراكة مع إيطاليا.
كما أن بعض المراقبين يرون أن وجود تباين في مستوى القدرات الفنية بين الدول المشاركة، واختلاف ميزانياتها الدفاعية، قد يعوق تنفيذ المشروع بشكل منسق.
ومع ذلك، يبدو أن المخاطر المتزايدة على الحدود الشرقية للقارة دفعت العديد من الدول لتقديم التنازلات والمشاركة، حتى وإن لم تكن شروط المبادرة مثالية.
تحظى المبادرة بدعم واضح من حلف شمال الأطلسي، الذي يرى فيها تعزيزًا لأمن الحلفاء في الجبهة الشرقية، وتكاملًا مع المهام الدفاعية المشتركة.
في أكتوبر 2023، وقع 10 وزراء دفاع من الدول الأعضاء على مذكرة تفاهم لتسريع تنفيذ المبادرة، وأكد الأمين العام للناتو حينها، ينس ستولتنبرغ، أن المبادرة "تمثل نقلة نوعية في التعاون الدفاعي داخل أوروبا".
يتوقع أن تبدأ الطبقة العليا من النظام الدفاعي، التي تشمل منظومة Arrow 3، العمل جزئيًا في 2025، بينما يُرتقب اكتمال جاهزية النظام الكامل بحلول 2030. وفي المدى المتوسط، ستقوم بعض الدول باستخدام منظومات IRIS-T وباتريوت لتأمين أجوائها بشكل مؤقت.
كما يجري العمل على تطوير نسخة جديدة من منظومة Arrow (Arrow 4)، بمدى وأداء أكبر، إلى جانب دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة الرصد والتوجيه، ما قد يجعل "درع السماء الأوروبية" أحد أكثر الأنظمة تطورًا على مستوى العالم.
تُعد مبادرة "درع السماء الأوروبية" مؤشرًا واضحًا على أن القارة العجوز بدأت تستيقظ أمنيًا، وتتخذ خطوات حاسمة نحو بناء نظام دفاعي مستقل نسبيًا، قادر على مواجهة التحديات المستقبلية.
ورغم التحديات التقنية والسياسية، فإن نجاح هذه المبادرة قد يمثل لحظة مفصلية في تاريخ الدفاع الأوروبي المشترك، ويعيد رسم خريطة الأمن القاري لعقود قادمة.