إسرائيل في مواجهة أزمة ثقة داخل واشنطن.. تحركات لإنقاذ التحالف قبل الانتخابات
تواجه إسرائيل والمنظمات الداعمة لها في الولايات المتحدة واحدة من أصعب مراحل العلاقة مع واشنطن، في ظل تصاعد الانتقادات السياسية والشعبية من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وتزايد الضغوط المرتبطة بالعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية وإيران، بالتزامن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في البلدين.
وتسعى تل أبيب وحلفاؤها إلى احتواء التراجع المتزايد في الدعم الأمريكي من خلال تكثيف الاتصالات مع أعضاء الكونغرس، وتنظيم زيارات لمسؤولين إسرائيليين، وتوجيه الإنفاق السياسي نحو الحملات الانتخابية، إلى جانب التحضير لزيارة محتملة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة خلال يوليو/تموز الجاري.
وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه العلاقات الأمريكية الإسرائيلية توترًا متصاعدًا، بعدما صوت أكثر من 100 نائب ديمقراطي لصالح مشروع قانون يهدف إلى إنهاء المساعدات الأمريكية لإسرائيل، فيما اتهم نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إسرائيل بشن هجوم إلكتروني ضده، في تطور يعكس اتساع نطاق الخلافات بين الجانبين.
انتقادات أمريكية متصاعدة وضغوط سياسية
وتعد الولايات المتحدة الحليف الأهم لإسرائيل على الساحة الدولية، ما يجعل التوتر الحالي أكثر خطورة من خلافات سابقة بين واشنطن وتل أبيب. فمنذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر 2023، تصاعد الاستياء الأمريكي من العمليات الإسرائيلية في غزة، قبل أن يمتد لاحقًا إلى الضفة الغربية وإيران.
وفي الوقت نفسه، أظهرت استطلاعات الرأي تراجعًا في مستويات التأييد لإسرائيل بين قطاعات من الأمريكيين، خصوصًا الديمقراطيين والشباب، مع تنامي التعاطف مع الفلسطينيين. كما بدأ بعض الجمهوريين في إبداء استياء من الصراعات العسكرية التي تبدو بلا نهاية، وهو ما يزيد صعوبة الاعتماد على الدعم الحزبي التقليدي لإسرائيل.
وتزامن ذلك مع بروز أصوات سياسية أمريكية أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية. فقد اتهم النائب الديمقراطي رو خانا مستوطنين وجنودًا إسرائيليين باحتجازه فعليًا خلال زيارته للضفة الغربية، بينما حذر رام إيمانويل، المرشح الديمقراطي المحتمل للرئاسة، خلال خطاب ألقاه في إسرائيل من احتمال تعرضها لعقوبات وخسارة للتمويل العسكري الأمريكي إذا لم تعمل على وقف العنف ضد المدنيين الفلسطينيين.
زيارات واتصالات لتحسين صورة إسرائيل
وفي مواجهة هذا التراجع، تكثف المنظمات المؤيدة لإسرائيل تحركاتها داخل واشنطن. فقد طلب مركز مناصرة الاتحاد الأرثوذكسي من أعضائه التواصل مع النواب الديمقراطيين الذين صوتوا ضد إنهاء المساعدات لإسرائيل، بهدف توجيه الشكر إليهم وتعزيز العلاقات معهم.
كما أعلن تيد دويتش، الرئيس التنفيذي للجنة اليهودية الأمريكية، تكثيف زياراته لأعضاء الكونغرس وموظفيهم، مشيرًا إلى طرح خطة لمكافحة معاداة السامية باعتبارها جزءًا أساسيًا من جهود المنظمة السياسية.
وعلى الجانب الإسرائيلي، يزور وزير الخارجية جدعون ساعر الولايات المتحدة خلال الأيام المقبلة، فيما يعقد السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، يحيئيل ليتر، لقاءات دورية مع أعضاء الكونغرس من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، إلى جانب استخدام منصات التواصل الاجتماعي للدفاع عن مواقف إسرائيل.
غير أن مسؤولين أمريكيين سابقين يرون أن هذه الجهود قد لا تكون كافية. وقال نيد برايس، المسؤول السابق في إدارتي باراك أوباما وجو بايدن، إن الأزمة لا يمكن حلها من خلال حملات ضغط باهظة التكلفة، معتبرًا أن القضية ترتبط بسلوكيات وسياسات جوهرية.
أموال الانتخابات في مواجهة تراجع الدعم
وتعد بعض التحركات الحالية امتدادًا لحملات سياسية استمرت لسنوات، إذ تستخدم منظمات مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» والتحالف الجمهوري اليهودي أدواتهما المالية للتأثير في السباقات الانتخابية، واستهداف مرشحين من اليمين واليسار ممن يُعتقد أنهم لن يقدموا دعمًا كافيًا لإسرائيل أو للجالية اليهودية.
ويخطط نتنياهو لزيارة الولايات المتحدة خلال الشهر الجاري، وسط توقعات بأن تتزامن الزيارة مع مراسم تأبين السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، وفق مسؤول إسرائيلي.

كما قد تشكل قمة التحالف الجمهوري اليهودي المقررة الشهر المقبل في لاس فيغاس فرصة مهمة لعرض المواقف المؤيدة لإسرائيل، مع احتمال مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونائبه.
ورغم أن ترامب أمر مؤخرًا بشن غارات جديدة على إيران، فإنه أبدى في الوقت نفسه حذرًا من إطالة أمد الحرب، كما دخل في خلافات متكررة مع نتنياهو بشأن التعامل مع الملف الإيراني، خصوصًا في ظل سعي رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى إسقاط النظام في طهران.
المعركة انتقلت إلى الجامعات والكونغرس
وتحاول بعض الجهات المؤيدة لإسرائيل تبني خطاب أكثر صراحة، إذ حثت «الأغلبية الديمقراطية من أجل إسرائيل» الحكومة الإسرائيلية على إدراك حجم الخطر الذي تواجهه داخل الولايات المتحدة.
وفي مايو الماضي، أصدر السفير الإسرائيلي كتيبًا للرد على الاتهامات المتعلقة بالعمليات الإسرائيلية في غزة، بينما قالت المحامية الإسرائيلية نيتسانا دارشان-لايتنر إن ساحة المواجهة لم تعد مقتصرة على غزة أو لبنان أو طهران، بل امتدت إلى الجامعات الأمريكية والكونغرس ومواقع التواصل الاجتماعي وكل مكان يتشكل فيه الرأي العام.
وتزداد صعوبة المشهد مع اقتراب الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة، إذ قد يؤدي تغير المشهد السياسي في أي من البلدين إلى إعادة صياغة التحالفات القائمة.
ويرى مسؤولون أمريكيون سابقون أن الحوار والزيارات وحدهما لن يكونا كافيين لاستعادة ثقة الديمقراطيين، مؤكدين أن تغييرًا جذريًا في السياسة الإسرائيلية، خاصة تجاه غزة والضفة الغربية، قد يكون ضروريًا.
وبينما تنتظر المنظمات المؤيدة لإسرائيل ما ستسفر عنه الانتخابات الإسرائيلية، تبدو العلاقة بين واشنطن وتل أبيب أمام نقطة تحول حاسمة، بعدما لم تعد الأزمة مجرد خلاف سياسي عابر، بل تحولت إلى معركة واسعة على النفوذ والصورة والدعم داخل المجتمع الأمريكي.