تجدد الصراع في السودان.. كيف يؤثر التصعيد العسكري على فرص التسوية السياسية؟
يدخل الصراع السوداني مرحلة جديدة من التعقيد مع تصاعد العمليات العسكرية في عدد من الجبهات، وعلى رأسها مدينة الأُبيّض بولاية شمال كردفان، التي أصبحت خلال الأسابيع الأخيرة إحدى أكثر مناطق القتال سخونة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. ويأتي هذا التصعيد بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب في أبريل 2023، وسط استمرار المواجهات واتساع آثارها الإنسانية والاقتصادية، في وقت تكثف فيه الأطراف الدولية والإقليمية جهودها لإحياء مسار التسوية السياسية ووقف إطلاق النار.
وتزامن التصعيد الميداني مع طرح مبادرات دبلوماسية جديدة، أبرزها المقترح الأمريكي الخاص بإقرار هدنة إنسانية لمدة تسعين يومًا، بما يثير تساؤلات حول مدى قدرة هذه الجهود على تحقيق اختراق سياسي في ظل استمرار المعارك، وتمسك كل طرف بشروطه العسكرية والسياسية.
الأُبيّض تتحول إلى مركز الصراع
فرضت مدينة الأُبيّض نفسها باعتبارها إحدى أهم ساحات المواجهة في السودان خلال المرحلة الحالية، نظرًا لموقعها الجغرافي الذي يربط وسط البلاد بإقليم دارفور، فضلًا عن احتضانها شبكة طرق استراتيجية تستخدم في عمليات الإمداد العسكري والتجاري.
وتحاول قوات الدعم السريع تكثيف الضغط على المدينة من خلال تعزيز انتشارها في المحاور المحيطة بها، إلى جانب تنفيذ هجمات باستخدام الطائرات المسيّرة لاستهداف منشآت خدمية وبنية تحتية، بينما يؤكد الجيش السوداني استمرار سيطرته على المواقع الرئيسية وتعزيز خطوطه الدفاعية لمنع أي تقدم جديد نحو المدينة.
وتشير أهمية الأُبيّض إلى أنها لم تعد مجرد مدينة ضمن ساحات الحرب، بل أصبحت عقدة استراتيجية قد يؤثر مصيرها في مسار العمليات العسكرية خلال المرحلة المقبلة، سواء في كردفان أو دارفور.
تغير في طبيعة المواجهات العسكرية
شهدت الحرب في السودان تحولًا واضحًا في أساليب القتال مقارنة بالمراحل الأولى للصراع، إذ توسع استخدام الطائرات المسيّرة والضربات بعيدة المدى، إلى جانب استهداف منشآت البنية التحتية مثل محطات الكهرباء ومستودعات الوقود والجسور وطرق الإمداد.
ويهدف هذا الأسلوب إلى إضعاف القدرات اللوجستية للطرف المقابل، إلا أنه أدى في المقابل إلى تفاقم معاناة المدنيين نتيجة انقطاع الخدمات الأساسية وتعطل حركة النقل وارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود.
كما أدى اتساع نطاق العمليات العسكرية إلى زيادة الضغوط على المؤسسات الخدمية، في ظل استمرار نزوح أعداد كبيرة من السكان من مناطق الاشتباكات، الأمر الذي فاقم الأزمة الإنسانية وأرهق قدرات منظمات الإغاثة العاملة داخل السودان.
التداعيات الإنسانية تتفاقم
لا يقتصر تأثير التصعيد العسكري على الجوانب الأمنية فقط، بل يمتد بصورة مباشرة إلى الأوضاع الإنسانية التي أصبحت من بين الأسوأ في المنطقة.
فاستمرار القتال أدى إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين من مناطق المواجهات، بينما يواجه ملايين السودانيين صعوبات متزايدة في الحصول على الغذاء والدواء والخدمات الصحية.
كما ساهم تدمير البنية التحتية في تعطيل عمل المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء، الأمر الذي زاد من معاناة السكان، خاصة في المدن التي تشهد اشتباكات متكررة أو حصارًا عسكريًا.
وتحذر منظمات الإغاثة الدولية من أن استمرار العمليات العسكرية قد يؤدي إلى اتساع رقعة المجاعة والأوبئة، في ظل صعوبة إيصال المساعدات الإنسانية إلى العديد من المناطق المتضررة.
أبعاد إقليمية تتجاوز الحدود السودانية
أصبحت الأزمة السودانية ذات أبعاد إقليمية متزايدة، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للسودان الذي يمثل حلقة وصل بين القرن الأفريقي ومنطقة الساحل والبحر الأحمر.
وتخشى دول الجوار من أن يؤدي استمرار الحرب إلى زيادة موجات النزوح واللجوء، فضلًا عن تنامي عمليات تهريب السلاح وانتشار الجماعات المسلحة والجريمة المنظمة عبر الحدود.
كما تنظر القوى الإقليمية والدولية إلى استقرار السودان باعتباره عنصرًا مهمًا في حماية أمن البحر الأحمر وتأمين طرق التجارة الإقليمية، وهو ما يفسر تصاعد الاهتمام الدولي بمحاولات احتواء الأزمة ومنع توسعها.
المبادرة الأمريكية ومحاولة كسر الجمود
في موازاة التطورات العسكرية، برزت تحركات دبلوماسية جديدة تقودها الولايات المتحدة بهدف إعادة إطلاق مسار التسوية السياسية.
وتقوم المبادرة على إقرار هدنة إنسانية مؤقتة تسمح بإيصال المساعدات إلى المناطق المتضررة، إلى جانب إنشاء آلية بإشراف الأمم المتحدة لمتابعة تنفيذ الترتيبات الأمنية، تمهيدًا لاستئناف المفاوضات بشأن وقف دائم لإطلاق النار.
كما تتضمن المبادرة العمل على توحيد المؤسسة العسكرية، وإطلاق برامج لنزع السلاح وإعادة دمج المقاتلين، إلى جانب تدشين عملية سياسية تقودها سلطة مدنية وصولًا إلى إجراء انتخابات عامة.
ورغم شمول المبادرة لعدد كبير من الملفات، فإن تنفيذها لا يزال يواجه عقبات كبيرة، أبرزها الخلاف حول انسحاب قوات الدعم السريع من المدن، وآليات تنفيذ الترتيبات الأمنية، إضافة إلى غياب الثقة المتبادلة بين طرفي الصراع.
تحديات تعرقل فرص التسوية
ما زالت فرص نجاح أي مبادرة سياسية تواجه عدة تحديات، يأتي في مقدمتها استمرار الرهان العسكري لدى طرفي الصراع، إذ يسعى كل منهما إلى تحقيق مكاسب ميدانية تمنحه موقعًا تفاوضيًا أقوى.
كما يسهم اتساع رقعة الاشتباكات في تقويض فرص بناء الثقة اللازمة لاستئناف المفاوضات، في وقت تتزايد فيه الانقسامات السياسية بين القوى المدنية، الأمر الذي يضعف فرص التوصل إلى رؤية موحدة لمستقبل المرحلة الانتقالية.
وتضاف إلى ذلك التعقيدات المرتبطة بالأزمة الإنسانية، والتي تجعل أي تأخير في التوصل إلى اتفاق سياسي أكثر كلفة على المدنيين والاقتصاد السوداني.
سيناريو استمرار الحرب
يعد استمرار العمليات العسكرية السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، خاصة مع احتدام المعارك في كردفان ودارفور، واستمرار كل طرف في محاولة تحسين مواقعه العسكرية.
وفي حال استمرار هذا المسار، فمن المتوقع أن تتوسع رقعة الاشتباكات، مع زيادة الضغوط على الاقتصاد السوداني، وتفاقم الأزمة الإنسانية، واستمرار تراجع مؤسسات الدولة، بما يهدد بإطالة أمد الصراع لسنوات إضافية.
كما قد يؤدي هذا السيناريو إلى زيادة التدخلات الخارجية، نتيجة المخاوف من انتقال تداعيات الأزمة إلى دول الجوار.
سيناريو الهدنة واستئناف المفاوضات
في المقابل، يبقى احتمال نجاح الضغوط الدولية في فرض هدنة إنسانية قائمًا، إذا تمكن الوسطاء من تقريب وجهات النظر بشأن القضايا الأكثر تعقيدًا.
وقد تمثل الهدنة فرصة لإيصال المساعدات الإنسانية وتهيئة الأجواء لاستئناف الحوار السياسي، لكنها لن تتحول إلى سلام دائم ما لم يتم التوصل إلى اتفاق واضح حول مستقبل القوات المسلحة والدعم السريع، وآليات تقاسم السلطة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
كما يتطلب نجاح هذا السيناريو وجود ضمانات إقليمية ودولية تضمن تنفيذ أي اتفاق، وتمنع عودة القتال بعد انتهاء الهدنة.
مستقبل الأزمة
تشير المؤشرات الحالية إلى أن مستقبل السودان سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف المتحاربة على تغليب الحلول السياسية على الخيارات العسكرية، في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الحرب لن يحقق حسمًا سريعًا لأي طرف.
وفي الوقت نفسه، تزداد أهمية الدور الإقليمي والدولي في دعم جهود الوساطة، وتوفير الضمانات اللازمة لتنفيذ أي اتفاق مستقبلي، بما يسهم في وقف نزيف الدم، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتهيئة الظروف لعودة الاستقرار.
يمثل التصعيد العسكري الأخير في السودان مؤشرًا على دخول الصراع مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والإنسانية. وبين استمرار المواجهات ومحاولات إحياء مسار التسوية، يبقى مستقبل الأزمة رهينًا بقدرة الأطراف السودانية على تقديم تنازلات متبادلة، واستثمار المبادرات الدولية في بناء اتفاق شامل يوقف الحرب ويضع أسسًا لاستقرار دائم. فكلما طال أمد الصراع، ازدادت خسائر السودان البشرية والاقتصادية، وتعاظمت انعكاساته على أمن واستقرار المنطقة بأكملها.