مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

بعد انهيار الهدنة بين واشنطن وطهران.. 5 سيناريوهات ترسم مستقبل المواجهة وتحدد مصير المنطقة

نشر
الأمصار

دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاء وقف إطلاق النار، لتعود المنطقة مجددًا إلى دائرة التوتر بعد فترة قصيرة من الهدوء النسبي، وسط مخاوف متزايدة من انعكاسات التطورات الأخيرة على أمن الخليج، وحركة الملاحة في مضيق هرمز، وأسواق الطاقة العالمية، فضلاً عن مستقبل التوازنات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط.

وجاء إعلان ترامب عقب سلسلة من التطورات الأمنية المتلاحقة، أبرزها هجمات استهدفت سفنًا تجارية وناقلات نفط أثناء عبورها مضيق هرمز، أعقبها رد أمريكي استهدف مواقع عسكرية إيرانية، شملت أنظمة الدفاع الجوي ومنصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، في تصعيد أعاد إلى الأذهان سيناريوهات المواجهة المباشرة بين الطرفين.

ورغم أن التصعيد الحالي لا يعني بالضرورة اندلاع حرب شاملة، فإن كثيرًا من مراكز الدراسات والخبراء العسكريين يرون أن المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، قد تتطور في أكثر من اتجاه، بحسب طبيعة القرارات التي ستتخذها واشنطن وطهران خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

الهدنة انتهت.. ماذا حدث؟

إعلان انتهاء وقف إطلاق النار لم يكن مجرد تصريح سياسي، بل حمل دلالات واضحة على أن التفاهمات التي نجحت في احتواء التصعيد خلال الفترة الماضية لم تعد قائمة، وأن قواعد الاشتباك قد تتغير بصورة كبيرة.

فقد جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي بالتزامن مع استمرار الهجمات على خطوط الملاحة في الخليج، ووسط تأكيدات أمريكية بأن القوات المسلحة ستواصل الرد على أي تهديد يستهدف المصالح الأمريكية أو حركة التجارة الدولية.

وفي المقابل، لم تصدر عن طهران مؤشرات على تراجع موقفها، ما يزيد من احتمالات استمرار المواجهة، سواء بشكل مباشر أو عبر ساحات إقليمية متعددة.

ويرى مراقبون أن انهيار الهدنة لا يعني فقط استئناف العمليات العسكرية، بل يمثل نقطة تحول قد تعيد رسم شكل العلاقات بين واشنطن وطهران، بعد أشهر من محاولات التهدئة والوساطات الدولية.

السيناريو الأول.. عودة الحرب المحدودة

يعد السيناريو الأكثر ترجيحًا، بحسب العديد من الخبراء، هو استمرار المواجهة العسكرية ضمن نطاق محدود، بحيث تتركز العمليات في محيط الخليج ومضيق هرمز، مع تنفيذ ضربات متبادلة تستهدف مواقع عسكرية ومنشآت استراتيجية دون الوصول إلى حرب شاملة.

ويعتمد هذا السيناريو على سياسة "الردع المتبادل"، حيث يسعى كل طرف إلى إثبات قدرته العسكرية دون تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى انفجار إقليمي واسع.

وخلال الساعات الماضية، ركزت الضربات الأمريكية على قواعد ومنصات صاروخية وأنظمة دفاع جوي، بينما استمرت التهديدات الإيرانية باستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، وهو ما يعكس رغبة الطرفين في توجيه رسائل عسكرية محسوبة.

لكن حتى هذا النوع من المواجهات يحمل آثارًا اقتصادية كبيرة، إذ ارتفعت أسعار النفط فور الإعلان عن انهيار الهدنة، كما زادت المخاوف بشأن سلامة حركة الشحن العالمية.

السيناريو الثاني.. العودة إلى طاولة المفاوضات

ورغم التصعيد العسكري، لا يستبعد محللون أن يكون إعلان ترامب جزءًا من استراتيجية ضغط تهدف إلى تحسين شروط التفاوض مع إيران.

فالإدارة الأمريكية تدرك أن استمرار التوتر في مضيق هرمز سيؤثر بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، كما قد ينعكس على الداخل الأمريكي مع ارتفاع أسعار الوقود.

وفي المقابل، تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية هائلة نتيجة العقوبات، إلى جانب احتياجاتها المتزايدة لتخفيف القيود المفروضة على صادراتها النفطية.

ولهذا يرى بعض الخبراء أن التصعيد الحالي قد يكون مقدمة لجولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة، تتناول ملفات البرنامج النووي، وأمن الملاحة، والعقوبات الاقتصادية، والدور الإيراني في المنطقة.

وقد شهدت العلاقات بين البلدين خلال العقود الماضية أكثر من نموذج مشابه، حيث سبقت جولات التفاوض فترات من التصعيد العسكري والإعلامي.

السيناريو الثالث.. حرب إقليمية مفتوحة

يبقى هذا السيناريو هو الأخطر، وإن كان الأقل احتمالًا في الوقت الراهن.

ففي بيئة أمنية معقدة تضم العديد من القوى المسلحة، قد يؤدي أي خطأ في الحسابات أو هجوم غير محسوب إلى خروج الأزمة عن السيطرة.

كما أن تعدد الجبهات في المنطقة، سواء في الخليج أو العراق أو سوريا أو البحر الأحمر، يزيد من احتمالات اتساع نطاق المواجهة.

ويحذر محللون من أن استهداف قواعد أمريكية بشكل مباشر، أو وقوع خسائر بشرية كبيرة، قد يدفع واشنطن إلى رد واسع النطاق، بما يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية يصعب احتواؤها.

وفي المقابل، قد تلجأ إيران إلى توسيع دائرة الرد عبر أدواتها وحلفائها في المنطقة إذا تعرضت لضربات أكبر.

السيناريو الرابع.. الاقتصاد يفرض التهدئة

قد يكون العامل الاقتصادي هو الأكثر تأثيرًا في مسار الأزمة.

فمضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم، وأي اضطراب طويل فيه ينعكس فورًا على الأسواق العالمية.

وقد شهدت أسعار النفط بالفعل ارتفاعات ملحوظة عقب انهيار الهدنة، كما زادت تكاليف التأمين على السفن، وارتفعت المخاوف بشأن سلاسل الإمداد العالمية.

وتواجه الإدارة الأمريكية تحديات داخلية مرتبطة بالتضخم وأسعار الوقود، بينما تعاني إيران من أزمة اقتصادية ممتدة بفعل العقوبات.

ولهذا قد تدفع الضغوط الاقتصادية الطرفين إلى البحث عن صيغة تهدئة، حتى في غياب اتفاق سياسي شامل.

وقد تلعب الدول الخليجية، إلى جانب أطراف دولية مثل سلطنة عمان وقطر، دورًا في إعادة فتح قنوات الاتصال بين الجانبين.

السيناريو الخامس.. إعادة رسم التحالفات الدولية

لا تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود العلاقة بين واشنطن وطهران، بل تمتد إلى شبكة التحالفات الدولية.

فالولايات المتحدة قد تطلب دعمًا أكبر من حلفائها للمشاركة في حماية الملاحة البحرية أو تعزيز الوجود العسكري في المنطقة.

وفي المقابل، قد تجد بعض الدول الأوروبية نفسها أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على الشراكة مع واشنطن، وتجنب الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة.

كما ستراقب الصين وروسيا التطورات عن كثب، باعتبارهما من أبرز اللاعبين الدوليين في الملف الإيراني.

وقد تستغل بكين وموسكو التصعيد لتعزيز نفوذهما السياسي والاقتصادي في المنطقة، خصوصًا في ظل استمرار التنافس مع الولايات المتحدة على قيادة النظام الدولي.

مضيق هرمز.. بؤرة الصراع

يبقى مضيق هرمز العنصر الأكثر حساسية في الأزمة الحالية.

فالمضيق يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، ما يجعله أحد أهم الممرات الاستراتيجية على مستوى العالم.

وأي تهديد لحركة الملاحة داخله ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز، ويؤثر في اقتصادات الدول المستوردة للطاقة.

ولهذا تحرص الولايات المتحدة على تأمين حرية الملاحة، بينما تعتبر إيران أن المضيق يمثل إحدى أهم أوراق الضغط التي تمتلكها في مواجهة العقوبات والضغوط الغربية.

ماذا يعني التصعيد لأسواق الطاقة؟

كانت الأسواق أول المتأثرين بانهيار الهدنة.

فور إعلان ترامب، ارتفعت أسعار النفط، وزادت توقعات المؤسسات المالية بشأن استمرار التقلبات خلال الفترة المقبلة.

كما شهدت أسعار الذهب صعودًا باعتباره ملاذًا آمنًا، بينما تعرضت بعض أسواق الأسهم لضغوط نتيجة المخاوف من اتساع دائرة الصراع.

ويرى خبراء الاقتصاد أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل البحري، وزيادة أسعار السلع، وعودة الضغوط التضخمية عالميًا.

هل تنجح الوساطات؟

رغم التصعيد، لا تزال فرص الوساطة قائمة.

فعدد من الدول الإقليمية والدولية يمتلك قنوات اتصال مع الطرفين، وقد يسعى إلى منع انزلاق الأزمة نحو مواجهة مفتوحة.

كما أن التجارب السابقة أثبتت أن واشنطن وطهران كثيرًا ما انتقلتا من التصعيد إلى التفاوض عندما وصلت تكلفة المواجهة إلى مستويات مرتفعة.

لكن نجاح أي وساطة سيظل مرتبطًا بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات، وهو أمر يبدو معقدًا في ظل الخطاب السياسي الحالي.

يرى محللون أن السيناريوهات الخمسة ليست متعارضة، بل يمكن أن تتداخل معًا خلال الفترة المقبلة.

فقد تبدأ الأزمة بمواجهات محدودة، يعقبها ضغط اقتصادي متزايد، ثم تتحرك الوساطات لإعادة فتح باب التفاوض، بينما تستمر حالة الاستنفار العسكري في المنطقة.

كما قد تشهد المرحلة المقبلة إعادة ترتيب للتحالفات الأمنية، سواء داخل حلف شمال الأطلسي أو بين الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط.

وفي جميع الأحوال، فإن مستقبل الأزمة لن يتحدد فقط بحجم العمليات العسكرية، وإنما بقدرة الأطراف المختلفة على إدارة التصعيد ومنع تحوله إلى حرب إقليمية واسعة.