مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

بعد حل حكومة غزة.. هل تفتح حماس باب اليوم التالي أم تعيد ترتيب أوراقها فقط؟

نشر
الأمصار

في خطوة تحمل أبعادًا سياسية أكثر من كونها تغييرًا ميدانيًا مباشرًا، أعلنت حركة حماس حلّ الهيئات الحكومية التابعة لها في قطاع غزة، في محاولة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية جديدة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية والإقليمية بشأن مستقبل القطاع بعد الحرب، وطبيعة الجهة التي ستتولى إدارته خلال المرحلة المقبلة.

ويأتي القرار في لحظة شديدة التعقيد، إذ لا تزال الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها مستقبل سلاح الفصائل، وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي، وآليات إعادة الإعمار، دون حلول نهائية، ما يجعل خطوة حماس محل قراءة واسعة بين من يراها تنازلًا سياسيًا محسوبًا، ومن يعتبرها مجرد تحرك تكتيكي يهدف إلى امتصاص الضغوط دون تغيير جوهري في موازين القوة على الأرض.

ماذا يعني حل حكومة حماس في غزة؟

أعلنت حركة حماس إنهاء عمل «لجنة العمل الحكومي» التي كانت تدير قطاع غزة منذ عام 2007، عقب سيطرتها على القطاع بعد صدامات مسلحة مع حركة فتح.

وكانت اللجنة تمثل الذراع التنفيذية لإدارة الحياة اليومية في غزة، حيث أشرفت على عدد من الملفات الخدمية الأساسية، من بينها الصحة والتعليم والداخلية والاقتصاد، عبر مجموعة من الوكلاء والمسؤولين الذين تولوا إدارة الوزارات والمؤسسات الحكومية المحلية.

لكن سنوات الحرب الطويلة، وما خلفته من دمار واسع في البنية التحتية والمؤسسات المدنية، جعلت قدرة هذه الحكومة على أداء مهامها تتراجع بشكل كبير، خصوصًا مع تدمير عدد كبير من المنشآت الحكومية، وتعطل الخدمات الأساسية، وتفاقم الأوضاع الإنسانية.

وبموجب القرار الجديد، تنتقل المسؤوليات المدنية إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، وهي هيئة تضم شخصيات مستقلة وكفاءات فلسطينية، تم تشكيلها ضمن ترتيبات المرحلة الانتقالية التي جاءت عقب جهود وساطة دولية لإنهاء الحرب ووضع تصور لإدارة القطاع مستقبلًا.

وأعلنت اللجنة استعدادها لتولي مسؤولياتها، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لإيجاد صيغة جديدة لإدارة غزة بعيدًا عن الشكل السابق الذي ارتبط بشكل مباشر بحكم حماس.

لكن السؤال الأساسي الذي يبقى مطروحًا هو: هل يعني حل الحكومة انتهاء نفوذ الحركة في القطاع؟ أم أنه مجرد إعادة تموضع سياسي؟

خطوة سياسية أم تحول حقيقي؟

يرى عدد من المحللين أن إعلان حل الحكومة يمثل بالأساس رسالة سياسية موجهة إلى الوسطاء الدوليين، وليس تحولًا كاملًا في طبيعة السيطرة داخل القطاع.

فالحركة، بحسب مراقبين، تحاول من خلال هذه الخطوة إظهار استعدادها للتعامل مع متطلبات المرحلة المقبلة، خصوصًا فيما يتعلق بإدارة الشؤون المدنية، في ظل مطالب دولية بوجود إدارة فلسطينية جديدة قادرة على قيادة عملية إعادة الإعمار.

لكن في المقابل، فإن الملفات الأكثر تعقيدًا لا تزال قائمة، وعلى رأسها ملف السلاح.

وتتمسك إسرائيل بأن أي ترتيبات مستقبلية لإنهاء الحرب يجب أن تتضمن نزع سلاح حركة حماس والفصائل المسلحة في غزة، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لضمان عدم تكرار المواجهات العسكرية.

أما حماس، فترفض حتى الآن التخلي الكامل عن سلاحها، وتطرح تصورات مختلفة تقوم على وضع السلاح ضمن ترتيبات وطنية أو تسليمه لطرف ثالث ضمن اتفاق سياسي شامل، على غرار تجارب دولية سابقة.

وهنا يظهر الخلاف الرئيسي بين الطرفين؛ فبينما ترى إسرائيل أن إنهاء القدرات العسكرية لحماس هو مفتاح الاستقرار، تعتبر الحركة أن السلاح يمثل ورقة قوة وضمانة سياسية في أي مفاوضات مستقبلية.

«اليوم التالي».. العقدة الأكبر في غزة

منذ بداية الحرب، أصبح مصطلح «اليوم التالي» محورًا رئيسيًا في النقاشات الدولية بشأن مستقبل القطاع.

ويشير المصطلح إلى شكل الإدارة التي ستتولى مسؤولية غزة بعد توقف العمليات العسكرية، والجهة التي ستشرف على إعادة الإعمار، وكيفية إعادة بناء المؤسسات الأمنية والمدنية.

وتتضمن التصورات المطروحة انتقال إدارة القطاع تدريجيًا إلى حكومة أو هيئة فلسطينية مدنية، مع انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تسيطر عليها، وبدء عملية إعادة الإعمار بدعم دولي.

لكن تنفيذ هذه الخطوات يواجه عقبات كبيرة، أبرزها استمرار الخلاف حول مستقبل حماس، وحدود دورها السياسي، وطبيعة العلاقة بين السلطة الفلسطينية وأي إدارة جديدة في غزة.

كما أن اللجنة الوطنية التي يفترض أن تتولى الإدارة الانتقالية لم تبدأ عملها الكامل داخل القطاع حتى الآن، ما يجعل الانتقال من مرحلة إلى أخرى أكثر صعوبة.

وفي الوقت نفسه، ما تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على مساحات واسعة من القطاع، وهو ما يزيد تعقيد المشهد ويؤخر أي ترتيبات عملية بشأن الإدارة الجديدة.

لماذا اختارت حماس هذا التوقيت؟

يرى مراقبون أن توقيت إعلان حل الحكومة لم يكن منفصلًا عن التطورات السياسية الجارية.

فالحركة تواجه ضغوطًا متزايدة داخليًا وخارجيًا، نتيجة حجم الدمار الذي خلفته الحرب، وتراجع قدرتها على إدارة الخدمات الأساسية، إلى جانب الضغوط الدولية التي تطالب بتغيير شكل الحكم في القطاع.

ويعتقد محللون أن القرار يهدف إلى تحقيق عدة أهداف في وقت واحد؛ أولها تحسين صورة الحركة أمام الوسطاء الدوليين، وإظهار استعدادها لتقديم تنازلات في ملف الإدارة المدنية، وثانيها تخفيف الضغوط الإسرائيلية التي تربط مستقبل غزة بإنهاء سيطرة حماس على مؤسسات الحكم.

كما يحمل القرار رسالة إلى المجتمع الفلسطيني في غزة، مفادها أن الحركة مستعدة لإعادة النظر في أسلوب إدارة القطاع بعد سنوات طويلة من الحكم المباشر.

لكن منتقدين للخطوة يرون أنها لا تمس جوهر المشكلة، لأن النفوذ الحقيقي لا يرتبط فقط بالمؤسسات الحكومية، بل يمتد إلى البنية التنظيمية والعسكرية للحركة.

رغم أهمية حل الحكومة، فإن ملف السلاح يبقى الاختبار الأصعب أمام أي ترتيبات مستقبلية.

وتؤكد إسرائيل أن إنهاء الحرب مرتبط بإزالة القدرات العسكرية لحماس، بينما تعتبر الحركة أن التخلي عن السلاح دون اتفاق سياسي شامل يمثل خسارة استراتيجية.

ويقول محللون إن الفرق بين الموقفين يجعل أي اتفاق نهائي بشأن غزة أمرًا بالغ الصعوبة، لأن الطرفين ينظران إلى السلاح من زاويتين متعارضتين تمامًا.

فإسرائيل ترى فيه تهديدًا أمنيًا مستمرًا، بينما تعتبره حماس عنصر ردع وضمانة تمنع فرض شروط سياسية عليها بالقوة.

ولهذا فإن حل الحكومة المدنية قد يكون خطوة أسهل مقارنة بملف السلاح، الذي يحتاج إلى تفاهمات إقليمية ودولية أوسع.

هل تتغير علاقة حماس بالمجتمع الغزي؟

خلال سنوات حكمها للقطاع، واجهت حماس انتقادات تتعلق بإدارة المؤسسات العامة والظروف الاقتصادية والاجتماعية في غزة، لكن الحرب الأخيرة ضاعفت حجم هذه الانتقادات بسبب الانهيار الكبير في الخدمات.

ويرى بعض الباحثين أن تخلي الحركة عن الإدارة اليومية قد يكون محاولة لإعادة بناء علاقتها مع السكان، من خلال الابتعاد عن موقع المسؤول المباشر عن الأزمات.

لكن نجاح هذا الخيار يتوقف على مدى قدرة الإدارة الجديدة على تحسين الأوضاع المعيشية، وتوفير الخدمات الأساسية، وإعادة بناء ما دمرته الحرب.

فالسكان في غزة لا ينظرون فقط إلى شكل السلطة، وإنما إلى قدرتها على توفير الأمن والغذاء والعلاج والتعليم وإعادة الحياة الطبيعية.

تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على عدة سيناريوهات، أولها نجاح انتقال الإدارة المدنية إلى جهة فلسطينية جديدة، مع استمرار التفاوض حول الملفات الأمنية والسياسية.

أما السيناريو الثاني، فهو تعثر الترتيبات بسبب الخلاف حول السلاح أو الانسحاب الإسرائيلي، ما قد يعيد المشهد إلى حالة الجمود.

وهناك أيضًا احتمال استمرار نفوذ حماس بشكل غير مباشر، حتى مع خروجها من الإدارة الحكومية الرسمية، من خلال حضورها التنظيمي والاجتماعي داخل القطاع.

ويرى مراقبون أن مستقبل غزة لن يتحدد بقرار حل الحكومة وحده، بل بمجموعة من العوامل المتشابكة، من بينها موقف إسرائيل، ودور الولايات المتحدة، وموقف الدول العربية، وقدرة الأطراف الفلسطينية على الوصول إلى صيغة مشتركة لإدارة المرحلة المقبلة.

يمثل إعلان حماس حل الهيئات الحكومية في غزة تحولًا سياسيًا مهمًا، لكنه لا يمثل نهاية الصراع حول مستقبل القطاع.

فالخطوة قد تكون بداية لإعادة تشكيل المشهد الإداري، لكنها تترك الأسئلة الأصعب دون إجابات، وعلى رأسها مصير السلاح، وطبيعة السلطة القادمة، ومستقبل العلاقة بين الفصائل الفلسطينية والمجتمع الدولي.

وبينما تعتبرها حماس محاولة لإظهار المرونة السياسية، تراها إسرائيل وبعض الأطراف الدولية اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد الحركة للانتقال من إدارة الحكم إلى دور سياسي مختلف.

وفي النهاية، يبقى «اليوم التالي» في غزة مرتبطًا بقدرة الأطراف المختلفة على تجاوز الخلافات الكبرى، وتحويل الترتيبات المؤقتة إلى مسار سياسي واضح يحدد مستقبل القطاع بعد سنوات من الحرب والصراع.