اختفاء ذهب بقيمة 40 مليون دولار يضع برامج "CIA" السرية تحت المجهر
أثارت قضية اختفاء سبائك ذهبية تُقدَّر قيمتها بنحو 40 مليون دولار من داخل أحد البرامج التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) موجة من القلق داخل الأوساط الأمنية والاستخباراتية في الولايات المتحدة، وسط مخاوف من أن تقود التحقيقات الجارية إلى كشف تفاصيل عمليات سرية بالغة الحساسية ظلت بعيدة عن الأضواء لسنوات طويلة.
ولا تنبع أهمية القضية من حجم الأموال المفقودة فحسب، بل من طبيعة البرنامج المرتبط بها، إذ تشير المعلومات المتداولة إلى أنه كان جزءاً من أنشطة استخباراتية سرية تستهدف جمع معلومات عن خصوم الولايات المتحدة حول العالم، ما يثير تساؤلات حول التداعيات المحتملة للتحقيقات الجنائية على الأمن القومي الأميركي.
مسؤول رفيع في دائرة الاتهام
تتركز التحقيقات حول ديفيد راش، الذي أُلقي القبض عليه في مايو (أيار) الماضي للاشتباه في اختلاس أموال عامة أثناء عمله في منصب إشرافي بارز ضمن مديرية العلوم والتكنولوجيا التابعة للوكالة. وتُعد هذه المديرية من أهم أذرع الاستخبارات الأميركية، حيث تتولى تطوير تقنيات التجسس وأنظمة اعتراض الاتصالات وأدوات جمع المعلومات السرية.
ورغم خطورة الاتهامات، لم تُوجَّه إلى راش حتى الآن لائحة اتهام رسمية، كما لم يصدر عنه أي تعليق علني بشأن المزاعم التي تلاحقه.
وبحسب مصادر مطلعة، كان راش يشرف على برنامج استخباراتي شديد السرية حصل على موافقة الكونغرس قبل سنوات، ويهدف إلى استخدام موارد مالية كبيرة للحصول على معلومات استراتيجية تتعلق بخصوم الولايات المتحدة. وتشير المصادر إلى أن موقعه الإداري داخل الوكالة كان يعادل تقريباً رتبة جنرال في المؤسسة العسكرية الأميركية.

مخاوف من كشف أسرار استخباراتية
يرى مسؤولون سابقون في وكالة الاستخبارات المركزية أن الخطر الأكبر لا يتمثل في خسارة الذهب أو الأموال المرتبطة به، وإنما في احتمال أن تؤدي المحاكمات والإجراءات القضائية إلى كشف معلومات سرية حول برامج استخباراتية ما زالت قيد التشغيل أو تتعلق بعمليات حساسة لم يُعلن عنها من قبل.
وقال عدد من المسؤولين السابقين إن الوكالة تواجه معضلة معقدة تتمثل في ضرورة محاسبة أي شخص يثبت تورطه في مخالفات مالية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سرية العمليات التي قد تتأثر بتداول المعلومات أمام القضاء والرأي العام.
وفي هذا السياق، حذّر مارك فاولر، المسؤول السابق في الوكالة الذي قاد عمليات استخباراتية ضد إيران، من أن القضية قد تؤدي إلى الكشف عن معلومات شديدة الحساسية "لم يكن من المفترض أن تُناقش علناً بأي شكل من الأشكال".

كيف بدأت القضية؟
تشير التحقيقات إلى أن القضية بدأت عندما أحالت وكالة الاستخبارات المركزية معلومات إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) بشأن شبهات تتعلق بسجلات دوام غير دقيقة قدمها راش.
وتقول السلطات إنه حصل على رواتب ومخصصات مالية عن فترات ادعى خلالها أداء مهام بصفته ضابط احتياط في البحرية الأميركية، رغم أنه أنهى خدمته العسكرية قبل نحو عشر سنوات.
وخلال التحقيق في هذه المخالفات، اكتشف المحققون ما وصفوه بشبكة من التجاوزات المالية والإدارية المرتبطة ببرامج سرية داخل الوكالة، ما دفع التحقيقات إلى مسار أكثر تعقيداً وحساسية.
برنامج سري وهمي وتمويل بملايين الدولارات
وفقاً للسلطات، لم يكتفِ راش بإدارة البرنامج الحقيقي الذي كان مسؤولاً عنه، بل أنشأ برنامجاً سرياً موازياً وصفته التحقيقات بأنه "وهمي"، وأدرجه ضمن فئة "برامج الوصول الخاص"، وهي من أكثر البرامج الحكومية سرية في الولايات المتحدة.
وزعم راش، بحسب المحققين، أن المشروع مرتبط بخطط استمرارية عمل الحكومة الأميركية في حالات الطوارئ والأزمات الكبرى، وهي خطط تهدف إلى ضمان استمرار مؤسسات الدولة في أداء مهامها حتى في أسوأ السيناريوهات.
كما تشير التحقيقات إلى أنه قدم إحاطات أمنية لعدد من الموظفين والمسؤولين، مؤكداً أن البرنامج يُدار بالتنسيق مع وزارة الدفاع الأميركية، ما ساعده على تأمين تمويلات ضخمة قُدرت بعشرات الملايين من الدولارات عبر عقود مع شركات ومتعاقدين في القطاع الدفاعي.

أين اختفى الذهب؟
المفاجأة الكبرى ظهرت عندما تبين أن جزءاً كبيراً من الأموال المخصصة للمشروع استُخدم في شراء سبائك ذهبية، قبل أن يختفي الذهب لاحقاً من مواقع التخزين المؤمنة.
وخلال عملية تفتيش لمنزل راش في ولاية فرجينيا خلال مايو الماضي، عثر عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي على أكثر من 600 رطل من الذهب، إضافة إلى ما يزيد على مليوني دولار نقداً، فضلاً عن مجموعة من الساعات الفاخرة، من بينها ساعات من علامة رولكس الشهيرة.
ويعتقد المحققون أن الطبيعة شديدة السرية للبرامج المصنفة ضمن "البرامج السوداء" ساهمت بشكل غير مباشر في تسهيل عملية الاحتيال، إذ إن القيود المفروضة على تبادل المعلومات داخل هذه المشاريع تجعل اكتشاف التجاوزات أكثر صعوبة.
ثغرات في أنظمة الرقابة
أعادت القضية إلى الواجهة تساؤلات قديمة بشأن فعالية أنظمة الرقابة والإشراف على البرامج السرية داخل المؤسسات الأمنية الأميركية.
وبحسب التحقيقات، سمحت التعقيدات البيروقراطية والإجراءات الأمنية المشددة بنقل أكثر من 300 سبيكة ذهبية، يزن كل منها نحو رطلين، من دون إثارة الشبهات أو لفت الانتباه لفترة طويلة.
كما كشفت وثائق المحكمة عن تناقضات متعددة في السيرة المهنية والأكاديمية لراش، إذ ذكر في بعض الوثائق أنه حاصل على درجة الماجستير في علوم الحاسوب، بينما ادعى في وثائق أخرى إكمال برنامج دراسي في الهندسة الكهربائية. إلا أن مراجعات لاحقة أظهرت عدم وجود أي سجلات تؤكد حصوله على هذه المؤهلات.
ولم تتوقف الشكوك عند الجانب الأكاديمي، إذ أكدت البحرية الأميركية وإدارة الطيران الفيدرالية أنه لم يكن طيار اختبار عسكرياً كما ادعى سابقاً، كما أنه لم يكن يحمل أي رخصة طيران.
شبح فضائح الماضي يعود مجدداً
تعيد هذه القضية إلى الأذهان حادثة شهيرة وقعت في سبعينيات القرن الماضي، عندما أدى تسريب معلومات عن عملية سرية لوكالة الاستخبارات المركزية إلى إفشال واحدة من أكثر المهمات الاستخباراتية الأميركية طموحاً ضد الاتحاد السوفياتي.
ففي ذلك الوقت، استعانت الوكالة برجل الأعمال هوارد هيوز لبناء سفينة عملاقة عُرفت باسم "هيوز غلومار إكسبلورر" بهدف انتشال غواصة سوفياتية غرقت في المحيط الهادئ وعلى متنها أسلحة نووية وأفراد طاقمها.
لكن تسرب تفاصيل العملية دفع الإدارة الأميركية إلى وقف مراحل لاحقة من المشروع خشية تداعياته السياسية والأمنية.
ويخشى مسؤولون سابقون اليوم من أن يؤدي التحقيق في قضية الذهب إلى تكرار سيناريو مشابه، بحيث تتحول المحاكمة إلى نافذة تكشف جوانب من أكثر البرامج الاستخباراتية الأميركية سرية، وهو ما تسعى الوكالة جاهدة إلى تجنبه.