مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

مصر على طاولة قمة السبع.. وترامب يُعيد رسم قواعد اللعبة الأطلسية

نشر
الأمصار

تشهد مدينة إيفيان الفرنسية انعقاد قمة مجموعة السبع خلال الفترة من 15 إلى 17 يونيو 2026، في ظل ظروف دولية وإقليمية معقدة تتداخل فيها الملفات الاقتصادية والأمنية والسياسية. وتكتسب القمة هذا العام أهمية استثنائية ليس فقط بسبب التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، بل أيضًا بسبب توسيع دائرة المشاركة لتشمل عددًا من القوى الإقليمية والدول الصاعدة، وفي مقدمتها مصر التي تحضر القمة بدعوة مباشرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

ويأتي الحضور المصري في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة، تتعلق بأمن الشرق الأوسط، وأزمات الطاقة، والهجرة غير الشرعية، وسلاسل الإمداد العالمية، ما يجعل القاهرة طرفًا مهمًا في العديد من القضايا المطروحة على جدول أعمال القمة.

دعوة فرنسية تعكس تحولًا في العلاقات الدولية

يرى مراقبون أن دعوة مصر للمشاركة في قمة مجموعة السبع تتجاوز البعد البروتوكولي أو الدبلوماسي التقليدي، وتعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا للدور المصري في القضايا الإقليمية والدولية.

وتأتي هذه الدعوة في إطار توجه فرنسي وأوروبي لإعادة صياغة العلاقات مع دول الجنوب على أساس الشراكة المتكافئة والمصالح المشتركة، بدلًا من العلاقات التقليدية التي كانت تقوم على المساعدات أو التبعية السياسية والاقتصادية.

وتعزز هذا التوجه خلال السنوات الأخيرة عبر مجموعة من الخطوات العملية، من بينها الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والاتحاد الأوروبي، والتي تهدف إلى دعم التعاون الاقتصادي والاستثماري والأمني، فضلًا عن الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى بين القاهرة وباريس.

ويؤكد محللون أن اختيار مصر للمشاركة في القمة بصفتها شريكًا استراتيجيًا مباشرًا يعكس مكانتها المتزايدة في حسابات القوى الغربية، خاصة في ظل قدرتها على التأثير في العديد من الملفات الحساسة داخل الشرق الأوسط وإفريقيا.

مصر لاعب رئيسي في قضايا المنطقة

أصبحت مصر خلال السنوات الأخيرة طرفًا فاعلًا في عدد من الملفات الإقليمية المعقدة التي تحظى باهتمام المجتمع الدولي. فالقاهرة تلعب دورًا محوريًا في جهود التهدئة داخل قطاع غزة، كما تشارك في دعم الاستقرار السياسي في ليبيا، وتسهم في حماية أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

وتحظى هذه الأدوار بأهمية خاصة بالنسبة للدول الغربية التي تسعى إلى احتواء الأزمات الإقليمية ومنع امتداد تداعياتها إلى أوروبا والعالم.

كما تمثل مصر نقطة ارتكاز مهمة في منظومة الأمن الإقليمي العربي، بفضل علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، وقدرتها على الحفاظ على قنوات اتصال مع القوى المتنافسة.

ويرى خبراء أن هذا الدور جعل من القاهرة شريكًا لا يمكن تجاهله في أي نقاش يتعلق بمستقبل الشرق الأوسط أو بأمن الطاقة والتجارة العالمية.

توتر أطلسي يعيد تشكيل التحالفات

تنعقد قمة مجموعة السبع في ظل أجواء من التوتر بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين، خصوصًا بعد السياسات الاقتصادية والتجارية التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

فقد أدت الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة على عدد من الواردات الأوروبية إلى زيادة حدة الخلافات بين الجانبين، كما كشفت القمم الدولية الأخيرة عن تباينات واضحة بشأن العديد من الملفات الاقتصادية والاستراتيجية.

ورغم هذه الخلافات، يؤكد مراقبون أن الحديث عن انهيار التحالف الغربي يظل مبالغًا فيه، نظرًا إلى حجم المصالح المشتركة التي تربط الطرفين في المجالات الاقتصادية والعسكرية والأمنية.

وتشير التقديرات إلى أن المرحلة الحالية تمثل انتقالًا من مفهوم التحالف التقليدي إلى مرحلة جديدة تقوم على التفاوض المستمر وإعادة توزيع الأدوار داخل المنظومة الغربية.

ترامب وقواعد جديدة للسياسة الدولية

أدت عودة ترامب إلى المشهد السياسي الدولي إلى إدخال تغييرات واضحة على طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها.

فالإدارة الأمريكية الحالية تتعامل مع التحالفات الدولية من منظور المصلحة المباشرة والعائد الاقتصادي، وهو ما دفع الدول الأوروبية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الدفاعية والاقتصادية.

وقد انعكس ذلك في زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي بصورة ملحوظة، حيث رفعت عدة دول نسب الإنفاق الدفاعي لتلبية متطلبات الأمن الجماعي داخل حلف شمال الأطلسي.

ويرى محللون أن هذه التطورات تشير إلى سعي أوروبا لبناء قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية، بما يسمح لها بالتعامل مع الولايات المتحدة من موقع أكثر توازنًا.

كما أن مشاركة قوى إقليمية مثل مصر والهند والبرازيل في القمة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن إدارة النظام الدولي لم تعد حكرًا على القوى الغربية التقليدية.

ملف الهجرة على رأس الأولويات

يعد ملف الهجرة غير الشرعية أحد أبرز القضايا المطروحة خلال أعمال القمة، خاصة مع استمرار الضغوط التي تواجهها الدول الأوروبية نتيجة تدفقات المهاجرين واللاجئين.

وفي هذا السياق، تحظى مصر بمكانة مهمة نظرًا لدورها في مكافحة الهجرة غير النظامية وتأمين حدودها، فضلًا عن استضافتها لأعداد كبيرة من اللاجئين والمهاجرين.

وترى الدول الأوروبية أن التعاون مع القاهرة يمثل عنصرًا أساسيًا في أي استراتيجية تهدف إلى إدارة ملف الهجرة بشكل أكثر فاعلية.

ومع ذلك، يؤكد خبراء أن مصر تسعى إلى التعامل مع هذا الملف من منظور المصالح المشتركة، بحيث لا تتحول إلى مجرد جهة تنفيذية للسياسات الأوروبية، وإنما شريك يحقق مكاسب تنموية واقتصادية مقابل الأعباء التي يتحملها.

الأمن الإقليمي والحرب في الشرق الأوسط

يشكل الأمن الإقليمي محورًا رئيسيًا في المناقشات المرتقبة داخل القمة، خاصة في ظل استمرار التوترات والصراعات في الشرق الأوسط.

ومن المنتظر أن تشهد الاجتماعات مناقشات موسعة حول سبل احتواء الأزمات الإقليمية، وتعزيز فرص التهدئة، ومنع اتساع دائرة الصراعات.

وفي هذا الإطار، تبرز مصر باعتبارها واحدة من الدول القليلة القادرة على التواصل مع مختلف الأطراف، وهو ما يمنحها دورًا مهمًا في جهود الوساطة وصناعة التوافقات السياسية.

كما أن الموقع الجغرافي لمصر يجعلها عنصرًا أساسيًا في معادلات الأمن الإقليمي، سواء فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر أو استقرار منطقة شرق المتوسط.

الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية

أصبحت قضايا الطاقة وسلاسل الإمداد من أكثر الملفات أهمية بالنسبة للاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد الأزمات المتلاحقة التي شهدها العالم.

وتتمتع مصر بموقع استراتيجي يمنحها أهمية خاصة في هذا المجال، حيث تمر عبر قناة السويس نسبة كبيرة من حركة التجارة الدولية، كما تمثل مركزًا مهمًا لربط الأسواق الإفريقية والأوروبية والآسيوية.

ويعزز هذا الموقع من قدرة القاهرة على لعب دور مؤثر في النقاشات المتعلقة بأمن الطاقة العالمية واستقرار حركة التجارة الدولية.

كما أن مشروعات الطاقة والبنية التحتية التي نفذتها مصر خلال السنوات الماضية جعلتها شريكًا مهمًا في خطط التنويع الاقتصادي والتعاون الإقليمي.

تعكس مشاركة مصر في قمة مجموعة السبع لعام 2026 تحولًا مهمًا في مكانتها على الساحة الدولية، وتؤكد تنامي الاعتراف بدورها في معالجة القضايا الإقليمية والعالمية. وفي ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تبدو القاهرة أكثر حضورًا في دوائر صنع القرار الدولي، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدراتها السياسية وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف.

ومع استمرار التحولات في موازين القوى العالمية، تمثل هذه المشاركة فرصة لتعزيز المصالح المصرية، وتوسيع مجالات التعاون مع القوى الاقتصادية الكبرى، وترسيخ مكانة مصر كشريك فاعل في رسم ملامح المرحلة المقبلة من النظام الدولي.