صراع الشرق الأوسط يهدد الأمن الغذائي العالمي ويدفع الملايين نحو الجوع
في تحذير جديد يعكس حجم التداعيات الإنسانية للأزمات الجيوسياسية المتصاعدة، أكد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أن الصراع الدائر في الشرق الأوسط بات يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي العالمي، مع دفع ملايين الأشخاص نحو دائرة الجوع والفقر نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف الوقود والنقل وتعطل سلاسل الإمداد الدولية، إلى جانب النقص الحاد في تمويل عمليات الإغاثة الإنسانية.

ويأتي هذا التحذير في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا خلال السنوات الأخيرة، حيث امتدت تداعيات المواجهات العسكرية إلى ما هو أبعد من حدود الدول المتصارعة، لتطال الاقتصادات الضعيفة والمجتمعات الهشة في مناطق مختلفة من العالم، خاصة الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الغذاء والطاقة.
تداعيات الحرب تتجاوز حدود المنطقة
بحسب برنامج الأغذية العالمي، فإن التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة منذ أواخر فبراير الماضي أدى إلى اضطرابات واسعة النطاق في حركة التجارة العالمية، خاصة مع تأثر الممرات البحرية الحيوية وارتفاع المخاوف بشأن أمن الملاحة في منطقة الخليج العربي.

وأدى تعطيل بعض طرق الشحن الرئيسية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، إلى اضطرار العديد من السفن التجارية إلى تغيير مساراتها، الأمر الذي تسبب في ارتفاع تكاليف النقل البحري وزيادة مدة وصول البضائع إلى الأسواق العالمية. كما انعكس ذلك بشكل مباشر على أسعار الطاقة التي شهدت ارتفاعات متواصلة خلال الأشهر الماضية.
وتشير تقديرات المؤسسات الاقتصادية الدولية إلى أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر الممرات الاستراتيجية ينعكس فورًا على أسعار النفط والغاز، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل في مختلف القطاعات الاقتصادية، وعلى رأسها قطاع الغذاء.
ارتفاع أسعار النفط يفاقم الأزمة
كان برنامج الأغذية العالمي قد حذر في مارس الماضي من أن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة قد يؤدي إلى زيادة أعداد الأشخاص المهددين بانعدام الأمن الغذائي الحاد حول العالم.
ووفقًا لتقديرات البرنامج، فإن بقاء أسعار النفط عند حدود 100 دولار للبرميل أو أكثر لفترة طويلة يرفع تكلفة إنتاج ونقل وتوزيع المواد الغذائية، ويؤثر بصورة مباشرة على قدرة الأسر الفقيرة على توفير احتياجاتها الأساسية.
ومع استمرار أسعار الخام عند مستويات مرتفعة منذ أوائل مارس، باتت المخاوف التي طرحها البرنامج أقرب إلى الواقع، حيث بدأت آثار التضخم الغذائي تظهر بوضوح في عدد من الدول النامية التي تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية مزمنة.
الدول الأكثر تضررًا من الأزمة
تتصدر كل من أفغانستان والصومال وسريلانكا قائمة الدول الأكثر تأثرًا بتداعيات الأزمة الحالية، نظرًا لاعتمادها الكبير على الواردات الخارجية لتأمين احتياجاتها من الغذاء والطاقة.
وفي هذه الدول، أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما تسبب في ارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل يفوق قدرة شريحة واسعة من السكان على الشراء. كما أسهمت اضطرابات التجارة الدولية في تقليص المعروض من بعض السلع، الأمر الذي فاقم من حدة الأزمة المعيشية.
ويؤكد خبراء التنمية أن المجتمعات الهشة تكون الأكثر عرضة للتأثر بالصدمات الخارجية، إذ ينعكس أي ارتفاع في الأسعار بصورة مباشرة على معدلات الفقر وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء وكبار السن.
الصومال على حافة كارثة إنسانية
تشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 6.5 مليون شخص في الصومال، أي ما يقرب من ثلث سكان البلاد، قد يواجهون مستويات حادة من الجوع خلال عام 2026.
وتعاني الدولة الواقعة في منطقة القرن الأفريقي من مجموعة معقدة من التحديات، تشمل الجفاف المتكرر وتراجع الإنتاج الزراعي وضعف البنية التحتية واستمرار الأزمات الأمنية، وهو ما يجعلها أكثر عرضة لتداعيات أي اضطرابات خارجية.
كما حذر البرنامج من أن نحو 2.5 مليون صومالي قد يواجهون مخاطر متزايدة لانعدام الأمن الغذائي إذا استمرت الاضطرابات الحالية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الوقود اللازمة لنقل المساعدات الإنسانية إلى المناطق النائية.
أفغانستان تواجه ضغوطًا متزايدة
في أفغانستان، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا مع توقع تأثر نحو 17.4 مليون شخص بالأزمة الغذائية خلال العام الجاري.
وتسببت الزيادة الكبيرة في أسعار الوقود في ارتفاع تكاليف إيصال المساعدات الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، حيث أكد برنامج الأغذية العالمي أن تكاليف النقل ارتفعت بما يصل إلى خمسة أضعاف مقارنة بالفترات السابقة.
ولم تقتصر التداعيات على الجانب المالي فقط، بل امتدت إلى الجوانب اللوجستية، إذ ارتفعت مدة تسليم المساعدات من نحو عشرة أيام إلى ما يصل إلى خمسة وسبعين يومًا في بعض الحالات نتيجة اضطرار الشاحنات إلى استخدام طرق بديلة وأكثر طولًا وتعقيدًا.
ويحذر العاملون في المجال الإنساني من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى حرمان ملايين الأسر من المساعدات الغذائية المنقذة للحياة، خاصة في المناطق الجبلية والنائية التي يصعب الوصول إليها.
أزمة تمويل تهدد جهود الإغاثة
إلى جانب التحديات الناجمة عن ارتفاع الأسعار وتعطل سلاسل الإمداد، تواجه المنظمات الإنسانية أزمة تمويل متفاقمة تهدد قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
وأكد برنامج الأغذية العالمي أن الموارد المالية المتاحة لم تعد كافية لتلبية الطلب المتنامي على المساعدات الغذائية، في ظل تعدد بؤر النزاعات والكوارث الإنسانية حول العالم.
ويتوقع البرنامج أن ينخفض عدد المستفيدين من خدماته بنحو 1.5 مليون شخص خلال عام 2026، مع احتمال ارتفاع هذا الرقم إلى تسعة ملايين شخص إذا استمرت الظروف الحالية لمدة ستة أشهر إضافية دون تحسن ملموس.
وتعكس هذه الأرقام حجم الفجوة المتزايدة بين الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة، الأمر الذي يضع ملايين الأشخاص في مواجهة خطر الجوع وسوء التغذية.
ارتفاع تكاليف النقل الجوي الإنساني
وفي الصومال، برزت تحديات إضافية مرتبطة بارتفاع أسعار وقود الطائرات، ما أدى إلى زيادة تكاليف تشغيل خدمة النقل الجوي الإنسانية التابعة للأمم المتحدة.
وتعد هذه الخدمة الوسيلة الأكثر أمانًا، وفي بعض الأحيان الوسيلة الوحيدة، للوصول إلى المناطق المعزولة التي يصعب الوصول إليها عبر الطرق البرية بسبب التحديات الأمنية أو الجغرافية.
ويخشى مسؤولو الإغاثة من أن تؤدي زيادة التكاليف التشغيلية إلى تقليص عدد الرحلات الإنسانية، ما قد يؤثر على إيصال الغذاء والدواء والمستلزمات الأساسية إلى مئات الآلاف من المحتاجين.
دعوات لتحرك دولي عاجل
في ظل هذه التطورات، تتزايد الدعوات الموجهة إلى المجتمع الدولي للتحرك بشكل عاجل من أجل احتواء التداعيات الإنسانية للأزمة الحالية، وضمان استمرار تدفق المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
ويرى خبراء الشؤون الإنسانية أن معالجة الأزمة تتطلب جهودًا متوازية تشمل دعم الاستقرار الإقليمي، وضمان أمن الممرات التجارية، وزيادة التمويل المخصص للبرامج الإغاثية، إضافة إلى مساعدة الدول الأكثر هشاشة على تعزيز قدراتها الاقتصادية والغذائية.
ومع استمرار التوترات الجيوسياسية وغياب مؤشرات واضحة على قرب انتهاء الأزمة، يبقى ملايين الأشخاص حول العالم عرضة لمزيد من المعاناة، بينما تتسع دائرة الجوع لتصبح واحدة من أخطر النتائج الإنسانية للصراعات الممتدة في الشرق الأوسط.