مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

اختلال القاعدة الاقتصادية.. من الرابحون والخاسرون في حرب إيران؟

نشر
الأمصار

على مدار التاريخ الحديث، ارتبطت الحروب والاضطرابات الجيوسياسية بحالة من عدم اليقين الاقتصادي، حيث تتأثر الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية بشكل مباشر بنتائج الصراعات العسكرية. 

ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من تصعيد سياسي وعسكري واسع النطاق في منطقة تعد من أهم مناطق إنتاج الطاقة في العالم، شهد الاقتصاد الدولي موجة من التقلبات الحادة التي انعكست على أسعار النفط والغاز والأسواق المالية العالمية.

ورغم أن القاعدة الاقتصادية التقليدية تشير إلى أن الحروب تضر بالجميع بدرجات متفاوتة، فإن الواقع يكشف عن وجود أطراف استطاعت تحقيق مكاسب استثنائية من هذه الأزمة. فقد استفادت بعض الدول المصدرة للطاقة وشركات النفط العملاقة ومصانع السلاح من الظروف الجديدة التي فرضتها الحرب، في حين تحملت اقتصادات أخرى أعباء إضافية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين.

روسيا.. المستفيد الأكبر من اضطراب أسواق الطاقة

تعد روسيا من أبرز الدول التي حققت مكاسب اقتصادية ملموسة في ظل التوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية. فبعد سنوات من العقوبات الغربية التي استهدفت قطاع الطاقة الروسي، جاءت الأزمة الجديدة لتمنح موسكو فرصة استثنائية لتعزيز عائداتها النفطية والغازية.

ومع تصاعد المخاوف بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط العالمية، اتجهت العديد من الدول إلى زيادة وارداتها من النفط والغاز الروسيين باعتبارهما بديلًا أكثر استقرارًا نسبيًا. وقد انعكس ذلك بصورة مباشرة على إيرادات موسكو من صادرات الوقود الأحفوري التي سجلت ارتفاعات ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة.

وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن روسيا حققت قفزة كبيرة في عائدات الطاقة خلال عام 2026، مدفوعة بزيادة الطلب العالمي وارتفاع الأسعار. كما ساهمت هذه العائدات في دعم الميزانية الروسية وتعويض جزء من الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الروسي جراء العقوبات الغربية المستمرة.

وتبرز الصين والهند وتركيا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي ضمن أكبر المستوردين للطاقة الروسية خلال هذه الفترة، وهو ما منح موسكو نفوذًا اقتصاديًا إضافيًا في سوق الطاقة العالمية.

شركات النفط الخليجية تحصد ثمار ارتفاع الأسعار

على الرغم من أن منطقة الخليج العربي تقع في قلب التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب، فإن شركات النفط الخليجية تمكنت من تحويل الأزمة إلى فرصة لتحقيق أرباح قياسية.

فمع ارتفاع أسعار النفط العالمية بأكثر من 40% منذ بداية الحرب، استفادت الشركات النفطية الكبرى في دول الخليج من هذه القفزة السعرية التي انعكست بشكل مباشر على الإيرادات والأرباح. كما لعبت البنية التحتية المتطورة وخطوط الأنابيب البديلة دورًا مهمًا في تقليل المخاطر المرتبطة بحركة الشحن عبر مضيق هرمز.

في المملكة العربية السعودية، واصلت شركة أرامكو تعزيز مكانتها باعتبارها أكبر شركة نفط في العالم، حيث سجلت أرباحًا قوية خلال الربع الأول من عام 2026 مدفوعة بارتفاع أسعار الخام وزيادة الطلب العالمي على الطاقة.

أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد حققت شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك" نتائج مالية وتشغيلية إيجابية، مستفيدة من قدرتها على تصدير النفط عبر موانئ وخطوط نقل بديلة بعيدة عن مناطق التوتر المباشر.

ويؤكد خبراء الطاقة أن استمرار ارتفاع أسعار النفط لفترات طويلة يمنح اقتصادات الخليج دفعة مالية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات تتعلق بإدارة الفوائض المالية وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط.

شركات الطيران الخليجية تستفيد رغم المخاطر

في الوقت الذي توقع فيه كثيرون أن تتكبد شركات الطيران خسائر نتيجة التوترات الأمنية في المنطقة، أظهرت النتائج المالية أن بعض الشركات الخليجية تمكنت من تحقيق مكاسب ملحوظة.

ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها استمرار الطلب القوي على السفر الدولي، إضافة إلى قدرة شركات الطيران الخليجية على إعادة تنظيم مساراتها الجوية والتكيف مع المتغيرات الأمنية. كما استفادت هذه الشركات من تعافي قطاع السياحة العالمي وزيادة حركة النقل الجوي بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

وسجلت بعض شركات الطيران الخليجية أرباحًا قياسية خلال الأشهر الماضية، ما يعكس مرونة هذا القطاع وقدرته على التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية.

قطاع الصناعات العسكرية.. الرابح التقليدي من الحروب

إذا كان هناك قطاع اقتصادي يرتبط اسمه دائمًا بالحروب والصراعات، فهو قطاع الصناعات العسكرية والدفاعية. فمع تصاعد المخاوف الأمنية وازدياد التهديدات العسكرية، تتجه الحكومات عادة إلى زيادة الإنفاق الدفاعي وتحديث ترساناتها العسكرية.

وقد انعكس ذلك بوضوح على أداء كبرى شركات تصنيع الأسلحة في الولايات المتحدة وأوروبا، التي سجلت نموًا ملحوظًا في المبيعات والعقود الجديدة خلال عام 2026.

وشهدت شركات أمريكية كبرى ارتفاعًا في إيراداتها نتيجة زيادة الطلب على أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والطائرات المقاتلة والمعدات العسكرية المتطورة. كما استفادت الشركات الأوروبية المتخصصة في الصناعات الدفاعية من تنامي المخاوف الأمنية لدى العديد من الدول التي تسعى إلى تعزيز قدراتها العسكرية.

ويرى محللون أن استمرار التوترات الإقليمية والدولية قد يدفع المزيد من الدول إلى زيادة موازناتها الدفاعية، ما يعني استمرار تدفق العقود والأرباح إلى شركات السلاح خلال السنوات المقبلة.

الدول المستوردة للطاقة تدفع الثمن

في المقابل، لم تكن جميع الدول مستفيدة من الحرب. فقد واجهت الاقتصادات المعتمدة على استيراد النفط والغاز ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.

وتعد العديد من الدول الأوروبية من بين الأكثر تأثرًا بهذه التطورات، إذ أدى ارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة معدلات التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي والنقل والخدمات.

كما واجهت بعض الاقتصادات الناشئة تحديات إضافية بسبب ارتفاع فاتورة الواردات النفطية، الأمر الذي زاد الضغوط على الموازنات العامة وأسعار العملات المحلية.

نحو بدائل استراتيجية للطاقة

كشفت الحرب الإيرانية عن هشاشة الاعتماد المفرط على عدد محدود من مصادر الطاقة. ولذلك بدأت العديد من الدول في إعادة تقييم سياساتها المتعلقة بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد.

ومن المتوقع أن تتجه الحكومات خلال السنوات المقبلة إلى تنويع مصادر الاستيراد وإنشاء احتياطيات استراتيجية أكبر من النفط والغاز، بالإضافة إلى تعزيز التعاون مع شركاء جدد لتقليل المخاطر المرتبطة بالأزمات الجيوسياسية.

ويعتقد خبراء الاقتصاد أن مفهوم أمن الطاقة سيصبح أحد أبرز أولويات الحكومات بعد انتهاء الأزمة الحالية، خاصة في أوروبا وآسيا.

الطاقة المتجددة تكتسب زخمًا جديدًا

من بين النتائج غير المباشرة للحرب تسارع التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة. فكلما ارتفعت أسعار النفط والغاز، ازدادت جاذبية الاستثمارات في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر.

وقد دفعت الأزمة العديد من الدول إلى تسريع برامج التحول الطاقوي بهدف تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وحماية اقتصاداتها من تقلبات الأسواق العالمية.

وفي هذا السياق، يواصل الاتحاد الأوروبي توسيع استثماراته في مشاريع الطاقة المتجددة، بينما تسعى الصين إلى تعزيز مكانتها العالمية في مجال تصنيع معدات الطاقة النظيفة. كما تشهد مصر توسعًا ملحوظًا في مشروعات الطاقة المتجددة من خلال جذب استثمارات أجنبية جديدة في هذا القطاع الحيوي.

انعكاسات محتملة على النظام الاقتصادي العالمي

لا تقتصر آثار الحرب الإيرانية على أسواق الطاقة فقط، بل تمتد إلى شكل النظام الاقتصادي العالمي ذاته. فالتغيرات التي تشهدها حركة التجارة الدولية وتدفقات الاستثمار وأسواق المال قد تؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.

وتشير العديد من المؤشرات إلى تزايد دور القوى الاقتصادية الصاعدة، وعلى رأسها الصين، في إدارة التوازنات الاقتصادية العالمية، ما يعزز الاتجاه نحو نظام اقتصادي متعدد الأقطاب بدلًا من الهيمنة الأحادية التي سادت لعقود.

وتكشف الحرب الإيرانية عن حقيقة اقتصادية مهمة مفادها أن الأزمات الكبرى لا تخلق خاسرين فقط، بل تفتح أيضًا أبوابًا لمكاسب استثنائية لبعض الدول والقطاعات. وبينما استفادت روسيا وشركات النفط الخليجية وصناعة السلاح من ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب، تحملت دول أخرى أعباء اقتصادية ثقيلة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب الأسواق.

ومع استمرار حالة عدم اليقين في الشرق الأوسط، يبقى مستقبل الاقتصاد العالمي مرهونًا بمسار التطورات السياسية والعسكرية، في وقت تسعى فيه الدول إلى بناء أنظمة أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الصدمات الجيوسياسية المقبلة.