رئيس مخابرات الرقة السابق أمام القضاء النمساوي.. محاكمة بتهم التعذيب والاعتداء الجنسي تعيد فتح ملفات حقبة الأسد
بدأت في النمسا، اليوم الاثنين، محاكمة مسؤول أمني سوري سابق شغل منصب رئيس فرع المخابرات العامة في مدينة الرقة خلال السنوات الأولى من النزاع السوري، وذلك في قضية تتعلق باتهامات بالتعذيب والاعتداء الجنسي بحق معارضين لنظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، في واحدة من أبرز المحاكمات الأوروبية المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان خلال الحرب السورية.
ويمثل المتهم الرئيسي، الذي عرّفته السلطات النمساوية باسم خالد الـ«ح» فقط التزاماً بقوانين الخصوصية المحلية، أمام المحكمة إلى جانب مسؤول أمني آخر كان يشغل منصباً رفيعاً في جهاز الشرطة بمدينة الرقة. ويواجه الرجلان اتهامات تتعلق بالتسبب بأذى جسدي جسيم والإكراه المشدد والاعتداء الجنسي، فيما وُجهت إلى خالد وحده تهمة التعذيب.
وتكتسب القضية أهمية خاصة كونها تأتي في إطار مبدأ "الولاية القضائية العالمية"، الذي يتيح لبعض الدول الأوروبية ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بغض النظر عن مكان وقوعها أو جنسية المتهمين والضحايا. ويُعد هذا النوع من المحاكمات نادراً نسبياً، لكنه شهد زخماً متزايداً خلال السنوات الأخيرة مع لجوء عدد من المسؤولين والعسكريين السوريين السابقين إلى أوروبا.
وبحسب الادعاء العام، تولى خالد رئاسة فرع المخابرات العامة في الرقة منذ اندلاع الاحتجاجات المناهضة لنظام الأسد عام 2011 وحتى سيطرة فصائل الجيش السوري الحر على المدينة عام 2013. وتقول النيابة إن انتهاكات جسيمة ارتُكبت داخل مقر الجهاز الأمني خلال تلك الفترة بحق معارضين ومحتجزين سياسيين.
وخلال الجلسة الأولى، نفى المتهم جميع الاتهامات الموجهة إليه، مؤكداً أنه لم يمارس أي أعمال عنف ضد المحتجزين. وعندما سأله رئيس المحكمة عما إذا كان قد اعتدى على أي شخص أثناء احتجازه، أجاب قائلاً: "مستحيل. ليس هذا من مصلحتي، كما أنه ليس الأسلوب الذي تربيت عليه".
غير أن ممثلي الادعاء عرضوا رواية مختلفة تماماً، متحدثين عن وجود زنازين مكتظة تضم عشرات السجناء، إضافة إلى ممارسات تعذيب ممنهجة شملت الضرب بأدوات مختلفة ورش المحتجزين بالمياه الباردة بهدف إخفاء آثار الاعتداءات وإطالة معاناتهم. كما تناولت التحقيقات استخدام وسائل تعذيب شهيرة ارتبطت بالسجون السورية، من بينها أداة تعرف باسم "بساط الريح"، وهي منصة خشبية قابلة للطي كانت تستخدم لإلحاق آلام جسدية شديدة بالمعتقلين، وفقاً لشهادات موثقة في تقارير حقوقية دولية.
لكن خالد نفى علمه بوجود مثل هذه الممارسات أو مشاهدته لها، كما أنكر معرفته بالأداة المذكورة أو استخدامها داخل الفرع الذي كان يديره.
ومن المقرر أن تستمر المحاكمة نحو شهر، مع الاستماع إلى شهادات عدد من الضحايا والشهود الذين يقولون إنهم تعرضوا لانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز التابعة للأجهزة الأمنية السورية خلال سنوات الحرب الأولى.
وكان المتهم قد وصل إلى النمسا عام 2015 طالباً اللجوء، بينما كانت إجراءات لجوء أخرى تخصه لا تزال قيد الدراسة في فرنسا. كما طُرحت خلال الجلسة تساؤلات بشأن الكيفية التي وصل بها إلى أوروبا، في ظل تقارير إعلامية تحدثت عن عملية سرية شاركت فيها أجهزة استخبارات أجنبية. إلا أن المتهم تجنب الخوض في التفاصيل، مكتفياً بالقول إن أقارب له ساعدوه في الوصول إلى النمسا، دون أن يعرف طبيعة الجهات التي قدمت له المساعدة.