الجزائر في قلب معركة الإليزيه.. الهجرة والأمن والذاكرة تشعل مبكراً سباق الرئاسة الفرنسية
قبل نحو عام من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، بدأت ملامح واحدة من أكثر القضايا حساسية في المشهد السياسي الفرنسي تتصدر النقاش العام، بعدما تحولت العلاقة مع الجزائر إلى محور رئيسي تتقاطع عنده ملفات الهجرة والأمن والهوية الوطنية والذاكرة التاريخية والسياسة الخارجية.
وكشفت صحيفة «لوبينيون» الفرنسية أن ملف الجزائر مرشح ليكون أحد أبرز عناوين الحملة الانتخابية المقبلة، في ظل استمرار الجدل السياسي الحاد بشأن طبيعة العلاقة بين باريس والجزائر، رغم عودة الاتصالات الرسمية بين الحكومتين بعد أشهر من التوتر الدبلوماسي الذي طبع العلاقات الثنائية.
وأشارت الصحيفة إلى أن المواقف المتباينة من الجزائر باتت تعكس الانقسامات العميقة داخل الطبقة السياسية الفرنسية. ففي الوقت الذي دافع فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن استمرار الحوار مع الجزائر وهاجم دعاة القطيعة واصفاً إياهم بـ«المهابيل»، يواصل اليمين واليمين المتطرف انتقاد سياسة الإليزيه واتهامها بالتساهل والضعف في إدارة الملفات الخلافية مع الجزائر.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات متزايدة حول أسباب استمرار الحضور القوي للجزائر في النقاش السياسي الفرنسي بعد أكثر من ستة عقود على استقلالها، خصوصاً في ظل وجود ملايين الفرنسيين من أصول جزائرية أو المرتبطين بالجزائر بشكل مباشر أو غير مباشر، إضافة إلى العلاقات الاقتصادية الواسعة بين البلدين ووجود مئات الشركات الفرنسية العاملة في السوق الجزائرية.
وترى الصحيفة أن سلسلة الأزمات التي شهدتها العلاقات الثنائية خلال الأشهر الماضية ساهمت في إعادة الملف إلى واجهة الأحداث، بدءاً من اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء، مروراً بتراجع التعاون الأمني وقضايا الهجرة، وصولاً إلى ملفات قضائية وإعلامية أثارت توتراً بين الجانبين.
ووفقاً لاستطلاع رأي حديث، فإن أكثر من نصف الفرنسيين يرون أن بلادهم لا تتعامل بالحزم الكافي مع الجزائر، وهي نسبة ترتفع بشكل ملحوظ بين أنصار الأحزاب اليمينية والمحافظة، ما يمنح هذا الملف وزناً انتخابياً إضافياً مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي.
ويعتقد مراقبون أن قضايا الهجرة غير النظامية وترحيل المهاجرين والاتجار بالمخدرات والتعاون الأمني ستكون في صدارة الملفات المرتبطة بالجزائر خلال الحملة الانتخابية، إلى جانب الجدل المستمر بشأن الذاكرة الاستعمارية والعلاقات التاريخية بين البلدين.
ونقلت «لوبينيون» عن الباحث الفرنسي حكيم القروي قوله إن الجزائر تحولت لدى بعض التيارات السياسية إلى أداة تُستخدم في الصراعات الداخلية الفرنسية، مشيراً إلى أن الملف أصبح وسيلة لتغذية الاستقطاب السياسي والمجتمعي أكثر من كونه قضية مرتبطة بالعلاقات الخارجية.
وفي السياق نفسه، دعا عدد من السياسيين الفرنسيين إلى إعادة النظر في اتفاقيات عام 1968 المنظمة لأوضاع الجزائريين المقيمين في فرنسا، معتبرين أنها لم تعد تتلاءم مع المتغيرات الحالية. ويبرز من بين هؤلاء شخصيات بارزة في اليمين الفرنسي ترى أن مراجعة هذه الاتفاقيات أصبحت ضرورة سياسية وأمنية.
ويعد وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو من أبرز الأصوات الداعية إلى تشديد الموقف تجاه الجزائر، إذ يهاجم باستمرار سياسة الحكومة ويتهمها بعدم ممارسة ضغوط كافية في ملفات الهجرة وترحيل المهاجرين غير النظاميين. كما يحمّل الرئيس ماكرون مسؤولية ما يصفه بعلاقة غير متوازنة مع الجزائر تقوم على تقديم التنازلات وتجنب المواجهة.
في المقابل، يتمسك ماكرون بخيار الحوار والانفتاح، معتبراً أن التصعيد المستمر لم يحقق نتائج ملموسة في الماضي. ويرى الرئيس الفرنسي أن الحفاظ على قنوات الاتصال مع الجزائر يظل الخيار الأكثر فاعلية لحل القضايا العالقة، خصوصاً في ظل المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة بين البلدين.
وتشير الصحيفة إلى أن الانتقادات الموجهة إلى ماكرون من قبل اليمين لم تؤد إلى إضعاف خصومه السياسيين، بل على العكس ساهمت في تعزيز حضورهم داخل المشهد السياسي، خاصة مع تصاعد المخاوف المرتبطة بالهجرة والأمن والهوية الوطنية لدى جزء من الناخبين الفرنسيين.
أما داخل اليسار الفرنسي، فيبدو التعامل مع الملف أكثر حذراً، باستثناء بعض القوى اليسارية الراديكالية التي تنتقد ما تعتبره استهدافاً للجالية الجزائرية أو توظيفاً سياسياً للعلاقة مع الجزائر في الصراعات الانتخابية الداخلية.
وفي خضم هذه التجاذبات، يأمل الرئيس ماكرون في إنهاء ولايته الثانية دون أن يترك خلفه أزمة مفتوحة مع الجزائر، إلا أن كثيراً من المراقبين يرون أن تعقيدات التاريخ والجغرافيا والمصالح المتشابكة تجعل من الصعب فصل العلاقات الفرنسية الجزائرية عن الحسابات السياسية الداخلية في البلدين.
ويختصر أحد المسؤولين الفرنسيين هذه المعادلة المعقدة بالقول إن «الجزائر أصبحت قضية داخلية في فرنسا، كما أن فرنسا لا تزال قضية داخلية في الجزائر»، في إشارة إلى عمق الروابط والتوترات التي تجعل من العلاقة بين البلدين ملفاً دائماً على أجندة السياسة في الضفتين.