مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

اقتصاد حرب في السودان يغذي تهريب الذهب وتمويل الصراع

نشر
الأمصار

كشف تقرير صحفي معمّق أن الحرب المستمرة في السودان أفرزت اقتصاداً موازياً يعتمد بشكل أساسي على تهريب الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب، ما أسهم في تمويل الصراع المسلح وتوسيع شبكات المصالح غير الرسمية العابرة للحدود.

وبحسب التقرير، فإن الذهب بات أحد أبرز مصادر التمويل الرئيسية للأطراف المتحاربة داخل السودان، حيث يتم تهريبه من مناطق التعدين في إقليم دارفور ومناطق أخرى، عبر شبكات تمتد إلى دول الجوار، قبل أن يعاد تداوله وتصديره إلى الأسواق العالمية بطرق غير مباشرة، بما يساهم في توفير العملة الصعبة لشراء السلاح والوقود وتمويل العمليات العسكرية.

وأشار التقرير إلى أن سيطرة بعض القوى المسلحة على مناطق غنية بالموارد المعدنية، خاصة مناطق التعدين الرئيسية، ساهمت في تحويل هذه المناطق إلى مصادر تمويل مباشر، حيث يتم استخراج كميات كبيرة من الذهب ونقله عبر مسارات تهريب معقدة، تتداخل فيها مصالح محلية وإقليمية ودولية.

ومع استمرار الحرب، تراجع دور المؤسسات الرسمية في إدارة الاقتصاد، ما أدى إلى انهيار الجهاز المصرفي في العديد من المناطق، وارتفاع الاعتماد على التعامل النقدي المباشر، إضافة إلى استخدام الذهب والدولار في المعاملات التجارية، وهو ما فتح المجال أمام ظهور شبكات اقتصادية جديدة تعمل خارج الإطار الرسمي للدولة.

ووفق تحليل اقتصادي وارد في التقرير، فإن الحرب أدت إلى نشوء طبقة جديدة من المستفيدين، تعرف بـ“أثرياء الحروب”، وهم مجموعات ترتبط مصالحها باستمرار النزاع، إذ تحقق أرباحاً من التهريب والتجارة غير الرسمية والاستحواذ على الموارد، ما يجعلها أحد العوائق أمام أي جهود للسلام.

كما أشار التقرير إلى أن السيطرة العسكرية على الأرض أصبحت تعني عملياً السيطرة على الموارد الاقتصادية، بما في ذلك المناجم والمعابر والطرق التجارية، وهو ما عزز من أهمية التمويل الذاتي للجماعات المسلحة عبر الذهب والموارد الطبيعية الأخرى.

ولم يقتصر الاقتصاد الموازي على الذهب فقط، بل امتد ليشمل أنشطة غير مشروعة أخرى مثل تهريب الوقود والسلاح، وفرض رسوم غير قانونية على حركة التجارة، إضافة إلى الاستيلاء على الممتلكات العامة والخاصة وإعادة بيعها عبر أسواق موازية داخل البلاد وخارجها.

كما لفت التقرير إلى وجود شبكات تجارية وواجهات اقتصادية تعمل في مجالات متعددة، من بينها التعدين والنقل والتجارة، وتستخدم في تمرير الأموال وإعادة تدويرها بشكل قانوني ظاهرياً، لكنها في الواقع تخدم تمويل العمليات العسكرية.

وأكد خبراء اقتصاديون أن استمرار هذا النمط من الاقتصاد يعمّق الأزمة في السودان، إذ يؤدي إلى تآكل الاقتصاد الرسمي، وتراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، مقابل توسع اقتصاد الحرب الذي يقوم على الفوضى والتهريب والصراع.

وحذر محللون من أن أخطر ما يميز هذا النموذج الاقتصادي هو قدرته على التكيف مع استمرار الحرب، حيث يصبح وقف النزاع تهديداً مباشراً لمصالح شبكات واسعة من المستفيدين، ما يجعل عملية السلام أكثر تعقيداً من الناحية الاقتصادية والسياسية.

وفي المقابل، دعا خبراء إلى ضرورة تدخل مؤسسات الدولة بشكل عاجل لضبط حركة الموارد والأسواق، ومكافحة التهريب، وإعادة دمج الاقتصاد الموازي داخل الإطار الرسمي، بما يضمن استعادة الاستقرار الاقتصادي وتقليل الاعتماد على مصادر تمويل غير مشروعة.

ويُقدَّر إنتاج السودان من الذهب بعشرات الأطنان سنوياً، إلا أن جزءاً كبيراً منه يُهدر عبر التهريب، ما يسبب فجوة كبيرة بين الإنتاج الفعلي والعائدات الرسمية، ويؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني وقدرته على التعافي.