فوضى وإطلاق نار داخل مجلس الشيوخ الفلبيني بسبب مذكرة اعتقال.. ماذا حدث؟
شهد مقر مجلس الشيوخ الفلبيني، الأربعاء، حالة من الفوضى والتوتر الأمني بعد سماع دوي إطلاق نار داخل المبنى، بالتزامن مع تصاعد الجدل حول احتمال اعتقال عضو بارز في المجلس على خلفية مذكرة صادرة من المحكمة الجنائية الدولية تتعلق بجرائم ضد الإنسانية.
وأفاد شهود عيان بأن أصوات الرصاص دوّت داخل مقر مجلس الشيوخ في العاصمة الفلبينية مانيلا، ما دفع الموجودين داخل المبنى إلى الاحتماء وسط حالة من الذعر والارتباك، بينما انتشرت قوات أمنية وعسكرية في محيط المكان بشكل مكثف.
ووفق ما نقلته وكالة رويترز، شوهد أكثر من عشرة عناصر يرتدون الزي العسكري المموه يصلون إلى مقر مجلس الشيوخ، وكان بعضهم يحمل بنادق هجومية، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول طبيعة المهمة التي ينفذونها داخل المؤسسة التشريعية الفلبينية.
ولم تصدر السلطات العسكرية الفلبينية في الساعات الأولى للحادث أي توضيح رسمي بشأن سبب انتشار القوات المسلحة داخل المجلس، كما لم يتضح على الفور من الجهة التي أطلقت النار أو ما إذا كانت الواقعة مرتبطة مباشرة بمحاولة تنفيذ مذكرة توقيف بحق أحد أعضاء المجلس.
وتأتي هذه التطورات في ظل أزمة سياسية وقانونية متصاعدة تشهدها الفلبين على خلفية تحركات المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة مسؤولين سابقين متهمين بارتكاب انتهاكات واسعة خلال حملة مكافحة المخدرات التي أطلقتها الحكومة الفلبينية في عهد الرئيس الفلبيني السابق رودريجو دوتيرتي.
السيناتور الفلبيني المطلوب من المحكمة الجنائية الدولية كان قد نشر مقطع فيديو عبر حسابه على موقع “فيسبوك”، تحدث فيه عن اقتراب اعتقاله، مؤكداً أن قوات إنفاذ القانون الفلبينية تستعد للتحرك لتنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة بحقه.
كما دعا أنصاره والمواطنين الفلبينيين إلى التحرك لمنع تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية في مدينة لاهاي الهولندية، معتبراً أن ما يحدث يمثل استهدافاً سياسياً له وللمسؤولين الذين شاركوا في تنفيذ سياسات الحكومة السابقة الخاصة بمكافحة تجارة المخدرات.
وقال المسؤول الفلبيني، في رسالته المصورة، إنه لا يريد أن يرى “فلبينياً آخر” يتم نقله إلى لاهاي، داعياً مؤيديه إلى التجمهر ومنع تنفيذ عملية الاعتقال المحتملة.
وبحسب تقارير محلية، فإن السيناتور الفلبيني لجأ إلى مكتبه داخل مجلس الشيوخ منذ عدة أيام تحسباً لأي تحرك أمني ضده، بينما شهد محيط المجلس حالة استنفار أمني متزايدة خلال الساعات الماضية.

وتعود جذور الأزمة الحالية إلى الحملة الدموية التي شهدتها الفلبين خلال سنوات حكم الرئيس الفلبيني السابق رودريجو دوتيرتي، والتي عُرفت باسم “الحرب على المخدرات”، حيث نفذت قوات الأمن الفلبينية عمليات واسعة ضد المشتبه في تورطهم بتجارة وتعاطي المخدرات.
وتقول منظمات حقوقية دولية إن تلك الحملة أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص خارج إطار القانون، متهمة الشرطة الفلبينية بتنفيذ عمليات قتل ممنهجة بحق المشتبه بهم، إلى جانب التستر على الانتهاكات التي ارتكبت خلال العمليات الأمنية.
في المقابل، تنفي السلطات الفلبينية هذه الاتهامات بشكل متكرر، مؤكدة أن الأشخاص الذين قُتلوا خلال الحملات الأمنية كانوا مسلحين وقاوموا قوات الشرطة أثناء تنفيذ عمليات القبض عليهم.
ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن الشرطة الفلبينية، فإن أكثر من ستة آلاف شخص لقوا مصرعهم خلال عمليات مكافحة المخدرات، بينما تشير تقديرات منظمات حقوقية إلى أن العدد الحقيقي للضحايا قد يكون أكبر بكثير.
وتعتبر المحكمة الجنائية الدولية أن الحملة الأمنية التي شهدتها الفلبين قد ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، وهو ما دفعها إلى إصدار مذكرات توقيف بحق شخصيات بارزة لعبت أدواراً رئيسية في تنفيذ تلك السياسة الأمنية.
وكان الرئيس الفلبيني السابق رودريجو دوتيرتي قد خضع بدوره لتحقيقات دولية بشأن هذه القضية، قبل أن يتم توقيفه العام الماضي تمهيداً لمحاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
ويرى مراقبون أن التحركات الأخيرة داخل الفلبين قد تؤدي إلى تصعيد سياسي وأمني واسع، خصوصاً مع وجود انقسام داخلي بين القوى المؤيدة للرئيس السابق وأنصار الحكومة الحالية التي تواجه ضغوطاً دولية متزايدة للتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية.
كما أثارت مشاهد انتشار القوات المسلحة داخل مجلس الشيوخ الفلبيني تساؤلات حول احتمالية تطور الأزمة إلى مواجهة سياسية مفتوحة بين مؤسسات الدولة، خاصة أن البرلمان يعد من أهم المؤسسات السيادية في البلاد.
من جانبه، قال أمين مجلس الشيوخ الفلبيني، في تصريحات صحفية، إنه لم ترد أي تقارير عن وقوع إصابات جراء إطلاق النار داخل المبنى حتى الآن، مشيراً إلى أن السلطات ما زالت تعمل على تقييم الموقف بشكل كامل.
وأضاف المسؤول الفلبيني أن عدداً غير محدد من عناصر الأمن حاولوا دخول المبنى، الأمر الذي تسبب في حالة من التوتر والفوضى داخل أروقة المجلس، دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن طبيعة المهمة أو الجهة التي أصدرت الأوامر بالتحرك.
وتعيش الفلبين منذ سنوات حالة من الجدل الحاد بشأن ملف حقوق الإنسان، في ظل استمرار الانتقادات الدولية لسياسات مكافحة المخدرات التي تبنتها الحكومة السابقة، بينما تطالب جهات حقوقية بضرورة محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.
وفي المقابل، يرى مؤيدو الحملة الأمنية أن الإجراءات الصارمة التي اتخذتها السلطات الفلبينية كانت ضرورية لمواجهة تفشي تجارة المخدرات والجريمة المنظمة، معتبرين أن الانتقادات الدولية تتجاهل التحديات الأمنية التي واجهتها البلاد خلال تلك الفترة.
ومع تصاعد التوتر داخل مجلس الشيوخ الفلبيني، يترقب الشارع الفلبيني الخطوات المقبلة للسلطات الأمنية، وسط مخاوف من اندلاع احتجاجات أو اضطرابات سياسية إذا تم تنفيذ عملية الاعتقال بحق المسؤول المطلوب دولياً.
وتبقى الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد خلال الأيام المقبلة، خاصة في ظل حساسية الملف سياسياً وقانونياً، وما قد يترتب عليه من تداعيات داخلية وخارجية على المشهد السياسي في الفلبين.