أميرة المصري تكتب: إيران ما بين غياب المرشد وحضوره
في الأنظمة التقليدية يعد غياب القائد لحظة ارتباك وربما بداية تفكك.
أما في إيران فالمعادلة أكثر تعقيدا لأن المرشد ليس مجرد شخص بل هو منظومة متكاملة تمتد جذورها في العقيدة والسياسة والأمن. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس هل يغيب المرشد؟ بل ماذا يحدث عندما يصبح حضوره شكليا أو غير قادر على إدارة التفاصيل اليومية؟
يقوم النظام الإيراني على مبدأ ولاية الفقيه حيث تتداخل الشرعية الدينية مع السلطة السياسية.
هذا الدمج منح المؤسسة الحاكمة قدرة على الاستمرار حتى في حالات الفراغ الجزئي.
فمراكز القوة لا تتركز فقط في مكتب المرشد بل تتوزع بين مؤسسات راسخة في مقدمتها الحرس الثوري الإيراني الذي تحول من قوة عسكرية إلى لاعب سياسي واقتصادي عابر للمؤسسات.
عند الحديث عن ((غياب المرشد)) سواء كان غيابا صحيا أو سياسيا تبدأ ملامح صراع هادئ داخل النخبة. صراع ليس بالضرورة علنيا، لكنه حقيقي بين تيارات تسعى لضمان موقعها في مرحلة ما بعد القائد. هنا يظهر دور مجلس الخبراء والمؤسسة الأمنية وشبكات النفوذ المرتبطة بالاقتصاد العسكري.
هذه الأطراف لا تنتظر الفراغ بل تتهيأ له منذ الآن.
عسكريا لا يبدو أن غياب المرشد إن حدث سيؤدي إلى انهيار مفاجئ.
فالعقيدة القتالية للحرس الثوري مبنية على مبدأ الاستمرارية واللامركزية خصوصا في إدارة الأذرع الخارجية المنتشرة في المنطقة.
من العراق إلى سوريا ولبنان هناك بنية عملياتية قادرة على العمل حتى في ظل غموض القيادة.
وهذا ما يجعل أي تحول داخلي في طهران ذا تأثير إقليمي مباشر لكنه ليس بالضرورة تأثيرا فوضويا.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في مرحلة ((الانتقال)) ففي هذه اللحظة قد تتصاعد المنافسة بين التيار العقائدي المتشدد والتيار البراغماتي الذي يرى ضرورة إعادة تموضع إيران دوليا لتخفيف الضغوط الاقتصادية.
هذا التنافس قد ينعكس على شكل قرارات عسكرية محسوبة أو على العكس تصعيد مدروس لإثبات السيطرة داخليا.
أما حضور المرشد حتى لو كان محدودا فيبقى عامل توازن.
فوجوده يمنح شرعية نهائية للقرارات الكبرى ويمنع انفلات التنافس بين الأجنحة. لذلك فإن النظام الإيراني حريص دائما على إظهار صورة ( القيادة المستمرة) حتى لو كانت إدارة التفاصيل موزعة خلف الكواليس.
في المحصلة إيران ليست دولة تقف على رجل واحدة بل نظام متعدد الطبقات. غياب المرشد لا يعني السقوط لكنه يفتح باب إعادة تشكيل مراكز القوة.
وبين الغياب والحضور تبقى الحقيقة الأهم أن المؤسسة العسكرية الأمنية هي الضامن الفعلي للاستقرار بينما تبقى الشرعية الدينية الغطاء الذي يمنح هذا الاستقرار معناه واستمراره.
السؤال الذي يفرض نفسه في النهاية هل ستنجح إيران في إدارة مرحلة ما بعد المرشد بسلاسة ؟
أم أن التوازنات الدقيقة ستنقلب إلى صراع مفتوح يعيد رسم خريطة النفوذ داخل النظام؟