واشنطن ومفاوضات الحل في لبنان.. مسار دبلوماسي لإنهاء صراع طويل
تقف الولايات المتحدة أمام لحظة مفصلية في الشرق الأوسط، مع بروز فرصة جديدة قد تتيح لها إنهاء صراع امتد لعقود بين إسرائيل ولبنان.

وتأتي هذه الفرصة في ظل تحركات دبلوماسية مكثفة تقودها واشنطن، مدفوعة برغبة في تحقيق اختراق تاريخي يعيد رسم ملامح الاستقرار في المنطقة، إذا ما ترافقت هذه الجهود مع التزام فعلي بوعود الدعم السياسي والاقتصادي والأمني.
تحركات دبلوماسية متسارعة
تسعى الإدارة الأمريكية إلى تحقيق ما عجزت عنه إدارات سابقة، عبر دفع مسار تفاوضي ينهي حالة الحرب المستمرة منذ ما يقرب من نصف قرن. وقد بدأت هذه المساعي بالفعل من خلال استضافة لقاءات مباشرة بين ممثلين عن لبنان وإسرائيل في البيت الأبيض، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار المؤقت والبناء عليه.
كما يعكس الانخراط الأمريكي المتزايد، بما يشمل جهوداً لجمع القيادات السياسية من الطرفين، إدراك واشنطن لأهمية اللحظة الراهنة، ورغبتها في استثمارها لتحقيق مكسب سياسي ودبلوماسي بارز.
حقائق ميدانية معقدة
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات كبيرة. إذ تبرز أولى الحقائق في الوضع الميداني بجنوب لبنان، حيث خلفت العمليات العسكرية دماراً واسعاً ونزوحاً كبيراً للسكان، في ظل توسع المنطقة الأمنية الإسرائيلية. هذا الواقع الإنساني يزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سريعة، ويضع ضغوطاً على جميع الأطراف.
أما الحقيقة الثانية فتتعلق بأزمة الثقة التي تعاني منها الدولة اللبنانية، نتيجة عدم قدرتها على تنفيذ قراراتها، خاصة فيما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة. ورغم التعهدات الرسمية، لم تُترجم هذه الوعود بالكامل إلى إجراءات حاسمة على الأرض.
أزمة ثقة داخلية
تراجع مصداقية الحكومة اللبنانية يشكل عقبة رئيسية أمام أي تقدم سياسي. فالتصريحات السابقة حول نزع سلاح الميليشيات لم تتحقق بشكل كامل، ما أضعف ثقة الداخل اللبناني والمجتمع الدولي بقدرة الدولة على فرض سيادتها.
وتبرز هذه الأزمة بشكل خاص في ظل استمرار دور القوى المسلحة خارج إطار الدولة، وهو ما يعقّد المشهد السياسي والأمني ويحد من فرص الاستقرار.
فرصة لإعادة بناء الثقة
في هذا السياق، تبرز الولايات المتحدة كوسيط يمتلك أدوات التأثير اللازمة لدفع العملية التفاوضية. إذ يمكنها المساهمة في إعادة بناء الثقة بين الأطراف، من خلال خطوات تدريجية تبدأ بتثبيت وقف إطلاق النار، وصولاً إلى معالجة القضايا الجوهرية.
ومن بين المقترحات المطروحة، فكرة جعل بيروت مدينة خالية من السلاح، باعتبارها خطوة رمزية وعملية تعكس جدية الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها. نجاح هذه الخطوة قد يشكل نقطة تحول في مسار المفاوضات.
تحديات إقليمية وضغوط داخلية
رغم هذه الفرص، تواجه الجهود الأمريكية تحديات من قوى إقليمية ومحلية تسعى للحفاظ على نفوذها. إذ يُتوقع أن تعمل أطراف داعمة لقوى داخل لبنان على عرقلة أي مسار قد يؤدي إلى تقليص دورها.
كما أن تداعيات الحرب الأخيرة، بما فيها الخسائر السياسية والشعبية، تضيف بعداً جديداً للمعادلة، وقد تدفع بعض الأطراف إلى إعادة حساباتها.
«العصا والجزرة» كروشتة للحل
في مواجهة هذا المشهد، تطرح واشنطن استراتيجية تقوم على مبدأ مزدوج يجمع بين الدعم والضغط. فمن جهة، تسعى إلى تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، ودعم اقتصادها، وتقوية الجيش، بما يمكنها من بسط سيطرتها على كامل أراضيها.
ومن جهة أخرى، تعتمد سياسة حازمة تجاه الأطراف التي تعرقل هذا المسار، من خلال فرض عقوبات وإجراءات ضغط تستهدف الجهات التي تعيق تنفيذ قرارات الدولة أو تقوض سيادتها.
هذا النهج، المعروف بسياسة «العصا والجزرة»، يهدف إلى دفع جميع الأطراف نحو الالتزام بالحلول السياسية، مع رفع كلفة أي محاولات للعرقلة.
في المحصلة، تبدو الفرصة الحالية نادرة لكنها محفوفة بالتحديات. إذ يتوقف نجاحها على قدرة الأطراف المعنية على تحويل التعهدات إلى خطوات عملية، وعلى دعم دولي مستمر لهذا المسار.
وإذا ما نجحت هذه الجهود، فقد تمثل نقطة تحول تاريخية تنهي أحد أطول الصراعات في المنطقة، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والسيادة في لبنان.

