الاختراق الصامت.. كيف أسقط الاحتلال قيادات حزب الله في قلب بيروت؟
كشف اغتيال القيادي البارز في «حزب الله» يوسف هاشم، فجر الأربعاء، عن ملامح اختراقات أمنية معقدة ومتعددة المستويات، رغم تأكيدات سابقة من حزب الله بمعالجة الثغرات التي ظهرت قبل الحرب الأخيرة.
وتشير التقديرات الأمنية إلى أن هذه الاختراقات لم تعد تعتمد على عامل واحد، بل باتت مزيجاً من التقنيات الحديثة، وقواعد بيانات استخباراتية عابرة للحدود، إضافة إلى العامل البشري الذي لا يزال يلعب دوراً حاسماً في عمليات التتبع والملاحقة.
تصاعد الاغتيالات منذ اندلاع الحرب
منذ اندلاع الحرب الأخيرة في الثاني من مارس (آذار) الماضي، كثّفت إسرائيل عملياتها الأمنية داخل الأراضي اللبنانية، مستهدفة عدداً من قيادات «حزب الله» و«الحرس الثوري الإيراني».
ويُعد اغتيال يوسف هاشم من أبرز هذه العمليات، حيث قُتل إثر ضربة صاروخية استهدفت مرأباً للسيارات في منطقة الجناح على أطراف بيروت، في عملية وُصفت بالدقيقة والمعتمدة على معلومات استخباراتية عالية المستوى.
تراجع نسبي رغم استمرار الخروقات
تشير مصادر أمنية إلى أن وتيرة الاغتيالات شهدت تراجعاً نسبياً في بداية الحرب الحالية مقارنة بالحرب السابقة التي اندلعت في سبتمبر (أيلول) 2024 وانتهت في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه.
ويُعزى هذا التراجع إلى مجموعة من الإجراءات التي اتخذها «حزب الله»، شملت تغيير وسائل الاتصال، وإخلاء المراكز والشقق المعروفة، والتخلي عن أجهزة الاتصالات التقليدية، بالإضافة إلى تعيين شخصيات جديدة غير معروفة في مواقع حساسة.
كما أن الفاصل الزمني القصير بين الحربين لم يمنح إسرائيل الوقت الكافي لإعادة بناء قاعدة بياناتها السابقة بنفس الكفاءة، في ظل انشغالها بجمع معلومات من الساحة الإيرانية، ضمن إعادة ترتيب أولوياتها الاستخباراتية.
«بنك معلومات» عابر للحدود
تؤكد المصادر أن العامل الأبرز في نجاح عمليات الاغتيال الأخيرة يتمثل في الاعتماد على بيانات غير لبنانية، خاصة تلك القادمة من إيران وفلسطين.
فقد ساهمت هذه المعلومات في تشكيل ما يشبه «بنك معلومات» استخباراتياً، مكّن إسرائيل من تتبع تحركات الشخصيات المستهدفة بدقة عالية.
ويُستدل على ذلك من طبيعة الأهداف، إذ أعلنت إسرائيل اغتيال قيادات مرتبطة بملفات إقليمية، من بينها إبراهيم ركين، الذي قُتل في ضاحية بيروت الجنوبية، وكان يشغل منصب نائب قائد «الوحدة 1800» المسؤولة عن دعم المسلحين الفلسطينيين وإدارة عمليات الحزب خارج لبنان. كما استهدفت ضربات أخرى شخصيات إيرانية بارزة في بيروت، من بينها عناصر في «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني.
دور الاتصالات في كشف التحركات
تشير التقديرات إلى أن الاعتماد المستمر على وسائل الاتصال، سواء من قبل القيادات اللبنانية أو الإيرانية أو المرتبطة بالملف الفلسطيني، يشكل نقطة ضعف رئيسية. فهذه الاتصالات، حتى وإن كانت مشفرة، تترك آثاراً رقمية يمكن تتبعها وتحليلها، خاصة عند الربط بين تحركات الأشخاص والبيانات المجمعة مسبقاً.
كما أن وجود بعض الشخصيات الأجنبية في مناطق مأهولة، تحتوي على كاميرات مراقبة، يسهل من عملية رصدهم وتتبعهم، سواء عبر اختراق أنظمة المراقبة أو من خلال تحليل الصور والحركة.
العامل البشري: الحلقة الأخطر
رغم التطور التكنولوجي الكبير، لا يزال العامل البشري يشكل أحد أخطر عناصر الاختراق الأمني.
إذ لا تستبعد المصادر وجود عملاء على الأرض يعملون لصالح أجهزة استخباراتية، مثل «الموساد»، سواء داخل لبنان أو في دول أخرى على صلة بالملف، كإيران وفلسطين.
هذا العامل يظل حاسماً، لأنه قادر على توفير معلومات دقيقة وفورية لا يمكن الحصول عليها عبر الوسائل التقنية فقط، مثل تحديد مواقع دقيقة أو توقيتات التحرك أو حتى طبيعة الاجتماعات.
استمرارية النمط وتحديات المرحلة المقبلة
تشير المعطيات إلى أن نمط الاغتيالات الحالي ليس جديداً بالكامل، بل هو امتداد لما شهدته الحرب السابقة، حيث قُتل قادة من «حزب الله» إلى جانب شخصيات إيرانية في أكثر من حادثة. وهو ما يعزز فرضية وجود قاعدة بيانات استخباراتية متراكمة، يتم تحديثها باستمرار.
في المقابل، يواجه «حزب الله» تحدياً متزايداً في احتواء هذه الاختراقات، خصوصاً في ظل تعقيد البيئة الأمنية، وتداخل العوامل الإقليمية، واعتماد الخصوم على أدوات متطورة تجمع بين التكنولوجيا والعمل الاستخباراتي التقليدي.
وتبقى المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل استمرار المواجهة الأمنية غير المعلنة، حيث تتداخل فيها الحروب الخفية مع الصراعات الميدانية، ما يجعل من ملف الاختراقات أحد أبرز عوامل الحسم في هذا الصراع.