الصومال يختبر سلطته بإسقاط لفتاغرين وسط توتر الأقاليم
شهدت الساحة السياسية في الصومال تطوراً لافتاً بعد إطاحة رئيس ولاية «جنوب غرب» عبد العزيز لفتاغرين، في خطوة اعتُبرت اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة الفيدرالية على فرض سلطتها على الأقاليم التي تشهد توترات مستمرة مع العاصمة مقديشو.
ويأتي هذا التحول وسط خلافات متصاعدة بين الحكومة المركزية بقيادة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود وعدد من الولايات، وعلى رأسها غوبالاند وبونتلاند، بشأن الصلاحيات والنظام الدستوري.
وأعلنت الحكومة الفيدرالية الصومالية سيطرتها الكاملة على مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية «جنوب غرب»، مؤكدة أن تحرك قواتها جاء استجابة لما وصفته بـ«إرادة السكان»، بعد تعثر جهود سابقة لحل الأزمة مع الإدارة المحلية.
وفي أعقاب دخول القوات الفيدرالية، أعلن لفتاغرين استقالته من منصبه بعد سبع سنوات في الحكم، وتم تعيين وزير المالية في حكومته أحمد محمد حسين رئيساً مؤقتاً للإدارة الإقليمية.
وتعود جذور الأزمة إلى تصاعد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وسلطات «جنوب غرب» بشأن شرعية الانتخابات الإقليمية الأخيرة، والتي رفضتها مقديشو واعتبرتها غير قانونية. وكان لفتاغرين قد أعلن فوزه بولاية ثانية، في خطوة زادت من حدة التوتر، ودفعته لاحقاً إلى تجميد العلاقات مع الحكومة المركزية قبل أن تتدخل القوات الفيدرالية لحسم الموقف.
في هذا السياق، يرى خبراء في الشأن الأفريقي أن ما حدث يمثل «اختباراً مزدوجاً» سياسياً وأمنياً للحكومة الصومالية، إذ تسعى من خلاله إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن أي ترتيبات سياسية أو انتخابية على مستوى الأقاليم يجب أن تتم بالتوافق مع السلطة المركزية، وليس بشكل أحادي.
كما يعكس هذا التحرك رغبة مقديشو في إعادة ضبط العلاقة مع الولايات التي تسعى إلى توسيع نفوذها واستقلاليتها.
ورغم النجاح التكتيكي الذي حققته الحكومة الفيدرالية في «جنوب غرب»، فإن تعميم هذا النموذج على أقاليم أخرى مثل غوبالاند وبونتلاند يبدو أكثر تعقيداً.

فهذه الولايات تمتلك قدرات عسكرية محلية قوية، إلى جانب علاقات إقليمية وتشابكات جغرافية تجعل من أي تدخل عسكري مباشر أمراً بالغ الحساسية. كما أن بونتلاند تتمتع بهيكل مؤسسي أكثر استقلالية، وتعتبر نفسها شريكاً أساسياً في النظام الفيدرالي، وليس تابعاً للحكومة المركزية.
وتشير التقديرات إلى أن أي محاولة لتكرار سيناريو «جنوب غرب» في هذه المناطق ستتطلب توافقاً سياسياً واسعاً أو دعماً دولياً كبيراً، وليس مجرد تحرك عسكري محدود.
كما أن إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يظل حالة مختلفة تماماً، نظراً لخصوصيته السياسية وسعيه المستمر نحو الاعتراف الدولي.
وبشأن مستقبل الأزمة، يطرح المراقبون ثلاثة سيناريوهات محتملة. يتمثل الأول في استمرار التصعيد التدريجي بين الحكومة الفيدرالية والولايات، ما قد يؤدي إلى مواجهات محدودة وتعطيل مؤسسات التنسيق السياسي.
أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر ترجيحاً، فيقوم على إعادة التفاوض بشأن شكل النظام الفيدرالي، خاصة ما يتعلق بتقاسم الصلاحيات وآليات الانتخابات، بما يحافظ على وحدة الدولة.
في حين يتمثل السيناريو الثالث في تفاقم الخلافات لتتحول إلى أزمة سياسية شاملة تهدد بنية النظام الفيدرالي في الصومال، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
في المجمل، تعكس التطورات الأخيرة في الصومال محاولة حاسمة من الحكومة المركزية لإعادة بسط نفوذها، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن هشاشة التوازن بين المركز والأقاليم، ما يجعل مستقبل الدولة الفيدرالية مرهوناً بقدرتها على تحقيق توافق سياسي شامل يضمن الاستقرار ويمنع الانقسام.