حياة طبيعية في الخليج رغم أجواء الحرب.. ومباراة تاريخية بين مصر والسعودية
شهدت مدينة جدة في المملكة العربية السعودية، أمس الجمعة، مباراة ودية بارزة جمعت بين المنتخبين السعودي والمصري، وسط حضور جماهيري كثيف، عكس بوضوح حالة الاستقرار التي تعيشها المملكة رغم تصاعد التوترات الإقليمية وأجواء الحرب المحيطة.
وفي الوقت ذاته، تشهد دول الخليج نمطًا مختلفًا من التعايش مع الحرب، إذ تحاول الشركات العالمية التكيف مع حالة الاضطراب، بينما اعتاد السكان على سماع إنذارات الهجمات الصاروخية الإيرانية، التي لا تزال مستمرة ولكن بوتيرة أقل حدة.
ويتزايد الاعتقاد في المنطقة بأن الأوضاع مرشحة لمزيد من التدهور قبل أن تبدأ في التحسن، رغم ما يبدو من هدوء نسبي في وتيرة الهجمات.
وفي وقت يستعد فيه الشرق الأوسط لاحتمالات تصعيد أخطر، قد يحمل تداعيات اقتصادية كبيرة، خاصة مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، واستمرار التهديدات الإيرانية باستهداف البنية التحتية الخليجية، وفي ظل انعدام الثقة العميق بين الأطراف، يبدو التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار أمرًا بالغ الصعوبة، إذ لا تزال جميع الأطراف متمسكة بمواقفها، ما يقلل من فرص التهدئة في المدى القريب.
أما الإمارات، التي تحملت النصيب الأكبر من الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فتتعامل بواقعية مع المشهد، دون التعويل على تسوية تفاوضية مع النظام الإيراني الحالي، الذي يتزايد نفوذ الحرس الثوري داخله.
ويرى مسؤولون إماراتيون أن المطلوب ليس مجرد وقف إطلاق نار، بل الوصول إلى حل جذري يعالج مختلف مصادر التهديد الإيراني، من البرنامج النووي إلى الصواريخ والميليشيات التابعة له.
تصعيد الحرس الثوري وتباين المواقف الخليجية
يرى مراقبون أن سلوك الحرس الثوري الإيراني، عبر استهدافه منشآت مدنية خصوصًا في الإمارات، إلى جانب تعطيله الملاحة في مضيق هرمز، يرقى إلى ممارسات أشبه بالتنظيمات الإرهابية، مطالبين بمحاسبته على تلك الأفعال.
وفي السياق ذاته، يتنامى داخل دول الخليج رأي يعتبر استمرار سيطرة الحرس الثوري على القرار الإيراني أمرًا غير مقبول، مع الدعوة إلى أن تكون إيران دولة جوار طبيعية لا تمثل تهديدًا للمنطقة.
ومع ذلك، لا تتبنى جميع الدول الخليجية الموقف نفسه، فقد وصف وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي الضربات الإيرانية على مدن خليجية بأنها رد “عقلاني” على العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يعكس تباينًا واضحًا في المواقف.
وكانت سلطنة عمان الدولة الوحيدة التي امتنعت عن التوقيع على بيان خليجي مشترك يدين الهجمات الإيرانية.
أما قطر، فرغم توقيعها على البيان، فقد اختارت خطابًا أكثر توازنًا تجاه طهران، خاصة بعد تعرضها مؤخرًا لهجمات صاروخية، قبل أن تبدأ تدريجيًا في استئناف الحياة الطبيعية، بما في ذلك إعادة فتح المدارس.
في المقابل، تميل مواقف السعودية والإمارات، إلى جانب الكويت والبحرين، نحو مزيد من التشدد، حيث يرى دبلوماسيون أن الرياض تعتبر النظام الإيراني، في ظل هيمنة الحرس الثوري، تهديدًا وجوديًا لأمنها.
سيناريوهات المستقبل بين التصعيد والتفاوض
على صعيد التهديدات، لوّحت إيران باستهداف منشآت حيوية في الخليج، مثل محطات الكهرباء وتحلية المياه والمنشآت النفطية، في حال تعرض بنيتها التحتية لهجمات أمريكية. كما هددت برد واسع النطاق إذا حاولت القوات الأمريكية، بدعم محتمل من بعض دول الخليج، السيطرة على جزر استراتيجية قرب مضيق هرمز، من بينها جزر تطالب بها الإمارات.
ويرى محللون أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق، بين تصعيد عسكري متزايد، أو الدخول في مفاوضات معقدة قد لا تفضي إلى نتائج حاسمة.
ورغم تأكيد الولايات المتحدة وإسرائيل تقليص قدرات إيران الصاروخية، فإن الهجمات لا تزال مستمرة، كما أن خطر التصعيد قائم، خاصة مع احتمالات استخدام صواريخ أكثر تطورًا.
الاقتصاد يصمد.. والحياة اليومية مستمرة
ورغم تداعيات الحرب، لا تزال مظاهر الحياة مستمرة في دول الخليج، حيث تواصل المؤسسات عملها بشكل شبه طبيعي، مع بقاء بعض القيود، مثل إغلاق المدارس في الإمارات والاعتماد على التعليم عن بُعد. كما غادر عدد من المقيمين مؤقتًا، بينما تستمر الأنشطة التجارية والخدمية، وإن كانت مصحوبة بحذر وقلق.
وفي دبي، عادت العديد من المؤسسات المالية إلى العمل من مقارها بعد فترة من العمل عن بُعد، رغم استمرار التحديات، خاصة في ظل تأثيرات الحرب على حركة السياحة والطيران وسلاسل الإمداد.
كما تأثرت أسواق مثل الذهب، نتيجة تراجع الطلب الخارجي وتقلب الأسعار، وسط توقعات بأن يستغرق التعافي عدة أشهر.
ورغم الضغوط، تمكنت دول الخليج من التخفيف من آثار اضطراب سلاسل التوريد عبر إيجاد بدائل لوجستية، مستفيدة من استثمارات سابقة في الإنتاج المحلي، ما ساهم في الحفاظ على استقرار الأسواق وتوافر السلع.
في المحصلة، تعكس الصورة الراهنة في الخليج مفارقة لافتة؛ إذ تستمر الحياة اليومية بوتيرة شبه طبيعية، في وقت تتصاعد فيه التهديدات العسكرية وتتزايد الضبابية بشأن المستقبل، ما يجعل المنطقة تعيش حالة من الترقب الحذر بين الاستقرار الظاهري واحتمالات التصعيد.