مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

هل يؤثر التهديد بالردع النووي على استمرار الحرب ضد إيران؟

نشر
الأمصار

تشهد الساحة الدولية واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في العقود الأخيرة، مع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وسط تساؤلات جوهرية حول مدى تأثير التهديد بالردع النووي على مسار هذا الصراع.

ففي عالم لم يعد فيه السلاح النووي حكرًا على عدد محدود من الدول، أصبح مفهوم الردع أكثر تعقيدًا وتشابكًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بدول تُصنّف ضمن “دول العتبة النووية” مثل إيران.

الردع النووي: من الاستقرار إلى أداة ضغط

تاريخيًا، ارتبط مفهوم الردع النووي بفكرة “التدمير المتبادل المؤكد”، والتي حكمت العلاقات بين القوى الكبرى خلال الحرب الباردة، حيث كان امتلاك السلاح النووي كفيلًا بمنع اندلاع حرب مباشرة بين تلك القوى. إلا أن هذا المفهوم شهد تحولات ملحوظة في العقود الأخيرة، فلم يعد السلاح النووي مجرد أداة لمنع الحروب، بل أصبح وسيلة لإدارة الصراعات وضبط توازنات القوى.

وفي الحالة الإيرانية، يبرز الردع النووي كخيار محتمل لتعويض تآكل أدوات الردع التقليدية، خاصة في ظل الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة. غير أن استخدام هذا الخيار يظل محفوفًا بمخاطر كبيرة، سواء على مستوى الداخل الإيراني أو في علاقاتها الدولية.

إيران كدولة عتبة نووية

تُصنّف إيران ضمن الدول التي تمتلك قدرات نووية كامنة، ما يعني أنها قادرة تقنيًا على تطوير سلاح نووي خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، قد تتراوح بين ستة أشهر وعام واحد في حال اتخاذ قرار سياسي بذلك. وقد عززت طهران من هذه القدرات خلال السنوات الماضية، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، حيث عملت على تطوير أجهزة الطرد المركزي وزيادة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.

لكن امتلاك القدرة لا يعني بالضرورة استخدامها، إذ يرتبط القرار النووي الإيراني بعوامل متعددة، منها الحسابات السياسية الداخلية، والتوازنات الإقليمية، وردود الفعل الدولية المحتملة.

الخيارات النووية المتاحة أمام إيران

أمام إيران عدة سيناريوهات في حال قررت اللجوء إلى الخيار النووي. أول هذه السيناريوهات هو تطوير سلاح نووي محلي، وهو خيار يمنحها استقلالية استراتيجية، لكنه في المقابل قد يؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وربما توسيع نطاق الحرب.

السيناريو الثاني يتمثل في الحصول على دعم خارجي، سواء عبر مظلة نووية أو مساعدات تقنية من دول كبرى مثل روسيا. غير أن هذا الخيار يبدو محدود الاحتمالات في ظل حرص القوى الكبرى على تجنب الانخراط المباشر في الصراع.

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في التلويح بالقدرة النووية دون الوصول إلى مرحلة التصنيع الفعلي، وهو ما قد يمنح طهران ورقة ضغط دون تحمل تبعات التصعيد الكامل.

قيود تحول دون التصعيد النووي

رغم ما يبدو من جاذبية الخيار النووي كأداة ردع، إلا أن هناك مجموعة من القيود التي تحد من احتمالات لجوء إيران إليه. أول هذه القيود هو الموقف الدولي، حيث تسعى طهران إلى الحفاظ على صورة الدولة التي تتعرض لعدوان، وهو ما قد يتضرر بشدة في حال تحركها نحو تصنيع سلاح نووي.

كما أن أي نشاط نووي غير تقليدي سيكون عرضة للرصد من قبل الأقمار الصناعية وأجهزة الاستخبارات، ما يجعل من الصعب إخفاء مثل هذه التحركات، ويزيد من احتمالات استهداف المنشآت النووية بشكل مباشر.

إضافة إلى ذلك، لا يبدو أن هناك دعمًا دوليًا حقيقيًا لإيران في هذا المسار، فالصين تتبنى سياسة عدم البدء باستخدام السلاح النووي، بينما تتجنب روسيا الانخراط المباشر في صراع قد يجرها إلى مواجهة مع الولايات المتحدة.

أوراق الضغط غير النووية

بدلًا من التصعيد النووي، تمتلك إيران مجموعة من الأدوات التي يمكن استخدامها لتعزيز موقفها في الصراع. 

ويأتي في مقدمة هذه الأدوات مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا حيويًا لتدفق النفط العالمي. أي تهديد بإغلاق المضيق قد يدفع القوى الدولية إلى التدخل للحد من التصعيد.

كما تعتمد إيران على شبكة من الحلفاء والوكلاء في المنطقة، إضافة إلى قدراتها في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي أدوات أثبتت فعاليتها في خلق توازن نسبي مع خصومها.

الحرب كصراع استنزاف

تشير طبيعة المواجهة الحالية إلى أنها أقرب إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، وهو ما يخدم بشكل غير مباشر مصالح بعض القوى الكبرى.

فاستمرار انخراط الولايات المتحدة في صراع مفتوح في الشرق الأوسط قد يقلل من قدرتها على التركيز في مناطق أخرى مثل أوروبا الشرقية أو شرق آسيا.

وفي هذا السياق، يصبح السلاح النووي أقل أهمية كأداة حسم، وأكثر خطورة كعامل قد يؤدي إلى انفجار شامل يتجاوز حدود الصراع الحالي.

هل يغير الردع النووي مسار الحرب؟

في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن تأثير التهديد بالردع النووي على مسار الحرب يظل محدودًا. فبينما قد يشكل هذا التهديد عاملًا نفسيًا وضغطًا سياسيًا، إلا أنه لا يرقى إلى كونه أداة حاسمة لتغيير موازين القوى على الأرض.

بل إن اللجوء إلى هذا الخيار قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال توسيع نطاق الصراع، واستدعاء تدخلات دولية أوسع، وربما تبرير تصعيد عسكري أكبر ضد إيران.

يمكن القول إن الردع النووي، رغم أهميته النظرية، لا يمثل خيارًا عمليًا في المرحلة الحالية من الصراع. فالتكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية لهذا الخيار تفوق بكثير ما قد يحققه من مكاسب محتملة.

وفي المقابل، يبدو أن إيران ستواصل الاعتماد على أدواتها التقليدية وغير المباشرة لإدارة الصراع، مع محاولة استثمار الضغوط الدولية لفرض مسار تفاوضي ينهي الحرب بشروط أقل كلفة.

في النهاية، يظل مستقبل الصراع مرهونًا بتوازنات معقدة تتداخل فيها العوامل العسكرية والسياسية والاقتصادية، بينما يبقى الخيار النووي في الخلفية، كتهديد قائم، لكنه غير مرجح الاستخدام في المدى القريب.