انقسام داخل القضاء الليبي يثير مخاوف من انهيار مؤسسات العدالة
تشهد ليبيا تطورًا خطيرًا داخل مؤسساتها القضائية، في ظل تصاعد الخلاف بين جهتين متنازعتين على تمثيل المجلس الأعلى للقضاء الليبي، ما يثير مخاوف متزايدة من انعكاسات هذا الانقسام على استقرار منظومة العدالة ووحدة مؤسسات الدولة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الأزمة القضائية لم تعد مجرد خلاف قانوني حول تفسير حكم أو صلاحيات إدارية، بل تحولت إلى صراع مؤسسي يهدد إحدى آخر المؤسسات السيادية التي ظلت متماسكة نسبيًا في البلاد رغم الانقسام السياسي المستمر منذ عام 2011.
بدأت ملامح الأزمة تتضح بشكل أكبر خلال الساعات الأخيرة، بعد صدور قرارات متعارضة من المجلس الأعلى للقضاء في العاصمة طرابلس ونظيره في مدينة بنغازي.
ففي طرابلس، أصدر المجلس الأعلى للقضاء برئاسة المستشار عبد الله أبو رزيزة سلسلة قرارات إدارية تتعلق بنقل وندب عدد من أعضاء الهيئات القضائية، في خطوة اعتبرها مراقبون تصعيدًا واضحًا في إطار الصراع على المرجعية القضائية.
ومن أبرز تلك القرارات نقل المستشار مفتاح القوي، الذي يترأس المجلس في بنغازي، إلى وظيفة إدارية ضمن إدارة المحاماة في إحدى محاكم شرق البلاد، وهو قرار فُسر على نطاق واسع باعتباره رسالة تؤكد تمسك مجلس طرابلس باعتباره المرجعية القضائية العليا.
كما شهدت العاصمة طرابلس أداء عدد من خريجي المعهد العالي للقضاء اليمين القانونية أمام أبو رزيزة، قبل تسلمهم مهامهم في عدد من الهيئات القضائية، في خطوة تهدف إلى تثبيت صلاحيات المجلس في إدارة شؤون القضاء.
في المقابل، رفض المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي تلك القرارات بشكل قاطع، واعتبرها “منتحلة الصفة” ولا تتمتع بأي أثر قانوني، مؤكدًا أن القرارات المتعلقة بنقل أو ندب القضاة الصادرة من طرابلس غير ملزمة.
ولم يكتف المجلس في بنغازي بالرفض، بل أصدر بدوره قرارات خاصة بتعيين عشرات القضاة الجدد في الهيئات القضائية، في خطوة تعكس وجود مرجعيتين متوازيتين لإدارة السلطة القضائية في البلاد.
هذا التطور أثار قلقًا واسعًا داخل الأوساط القانونية والقضائية في ليبيا، حيث حذر القاضي والمستشار حيدر العائب من أن الوضع الحالي يعكس “ازدواجًا في المرجعية العليا داخل السلطة القضائية”، وهو أمر قد يؤدي إلى شلل في عمل القضاء.
كما أصدرت الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية بيانًا حذرت فيه من أن هذا الانقسام يمس جوهر بنية العدالة ويهدد ثقة المجتمع في القضاء باعتباره الجهة التي يفترض أن تفصل في النزاعات وتحمي الحقوق.
وفي السياق ذاته، حذرت النقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية من أن الانقسام الحالي قد يهدد استقلال القضاء، بل وربما وجوده نفسه إذا استمر الصراع دون حل.

ترجع جذور الأزمة إلى حكم صادر عن المحكمة العليا الليبية في يناير الماضي، قضى ببطلان تعديلات أقرها مجلس النواب الليبي على قانون النظام القضائي.
وقد فتح هذا الحكم الباب أمام جدل واسع حول شرعية تشكيل المجلس الأعلى للقضاء والجهة التي تمتلك حق إدارة شؤون المؤسسة القضائية، الأمر الذي أدى لاحقًا إلى تعمق الانقسام بين المؤسسات القضائية في شرق البلاد وغربها.
ويرى الخبير القانوني الليبي وأستاذ القانون العام مجدي الشعباني أن الأزمة تجاوزت نطاق الخلافات القضائية التقليدية، مشيرًا إلى أن ما يحدث يمثل “واقعًا مؤسسيًا جديدًا” داخل السلطة القضائية.
وأوضح الشعباني أن وجود مرجعيات قضائية متوازية قد يهدد استقرار المراكز القانونية للمواطنين ويضعف ثقة المجتمع في القضاء، الذي يُعد إحدى الركائز الأساسية للحفاظ على وحدة الدولة.
وأكد أن معالجة الأزمة تتطلب مسارين متوازيين؛ أولهما قضائي لحسم النزاع حول المرجعية القانونية، والثاني تشريعي لإعادة النظر في الإطار القانوني المنظم للسلطة القضائية، مع ضرورة وجود توافق سياسي يضمن تحييد القضاء عن الصراع السياسي.
وتحذر جهات دولية، بينها الأمم المتحدة، من أن استمرار الانقسام داخل المؤسسات السيادية في ليبيا، وخاصة المؤسسة القضائية، قد ينعكس سلبًا على الاستقرار العام في البلاد، باعتبار القضاء أحد الأعمدة الرئيسية التي تقوم عليها الدولة.
وفي ظل هذه التطورات، يبقى مستقبل القضاء الليبي معلقًا بين احتمالات التوافق لإعادة توحيد المؤسسة القضائية، أو استمرار الانقسام بما قد يفتح الباب أمام أزمة أعمق تمس واحدة من آخر مؤسسات الدولة التي ما زالت تحاول الصمود أمام تداعيات الصراع السياسي.