مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

المعادن النادرة سلاح الصين لقلب موازين حرب إيران

نشر
الأمصار

مع تصاعد الحرب الأمريكية ضد إيران، بدأت تداعيات الصراع تتجاوز نطاق العمليات العسكرية المباشرة لتدخل في قلب التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين. فبينما تتركز المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط، يلوح في الأفق سلاح اقتصادي وتقني قد يكون له تأثير عميق في موازين القوة، يتمثل في المعادن الأرضية النادرة التي تهيمن الصين على إنتاجها عالميًا.

ويزداد هذا الملف أهمية مع اقتراب زيارة مرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين، حيث من المتوقع أن يجري محادثات مع الرئيس الصيني شي جين بينج، في وقت تشير فيه تقديرات إلى أن اعتماد واشنطن الكبير على المعادن النادرة الصينية قد يشكل نقطة ضعف استراتيجية في حال قررت بكين استخدام هذه الورقة للضغط على الولايات المتحدة خلال استمرار الحرب.

المعادن النادرة وأهميتها في الصناعات العسكرية

تشكل المعادن الأرضية النادرة مجموعة من العناصر الكيميائية التي تلعب دورًا محوريًا في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، بما في ذلك الصناعات الدفاعية والفضائية والإلكترونية.

وتدخل هذه المعادن في تصنيع العديد من الأنظمة العسكرية الحديثة، مثل أنظمة الرادار المتطورة، وتقنيات التوجيه الدقيقة للصواريخ، ومحركات الدفع المستخدمة في الطائرات المقاتلة، إضافة إلى المكونات الإلكترونية المتقدمة في الأقمار الصناعية وأنظمة الاتصالات العسكرية.

وتُعد عناصر مثل الديسبروسيوم والتيربيوم من بين أهم هذه المعادن، حيث تستخدم في تصنيع مغناطيسات عالية الأداء تتحمل درجات حرارة مرتفعة وتستخدم في العديد من التطبيقات العسكرية الحساسة.

وبسبب هذه الخصائص، أصبحت المعادن النادرة جزءًا لا يتجزأ من منظومة التسليح الحديثة، ما يجعل تأمين إمداداتها مسألة استراتيجية بالنسبة للدول الكبرى.

هيمنة الصين على سوق المعادن النادرة

تمتلك الصين موقعًا شبه احتكاري في سوق المعادن الأرضية النادرة، حيث تسيطر على الجزء الأكبر من عمليات التعدين والتكرير والإنتاج العالمي لهذه الموارد.

وخلال السنوات الماضية، عملت بكين على تطوير قدراتها في هذا القطاع بشكل كبير، ما جعلها المورد الرئيسي لهذه المعادن إلى العديد من الدول الصناعية، بما في ذلك الولايات المتحدة.

ووفقًا لتقارير دولية، شكلت الصين نحو 71% من واردات الولايات المتحدة من العناصر الأرضية النادرة خلال الفترة بين عامي 2021 و2024، كما كانت المورد الوحيد لبعض العناصر الحيوية مثل التيربيوم.

هذا الاعتماد الكبير يثير مخاوف داخل الأوساط الأمريكية من إمكانية استخدام الصين لهذه الموارد كورقة ضغط في الصراعات الجيوسياسية، خاصة في ظل التوترات المتزايدة بين واشنطن وبكين.

نفوذ اقتصادي يتحول إلى أداة سياسية

يرى عدد من الخبراء أن السيطرة الصينية على المعادن النادرة تمنح بكين نفوذًا استراتيجيًا غير مباشر في مواجهة الولايات المتحدة.

ففي حال قررت الصين فرض قيود على تصدير هذه المعادن، فإن ذلك قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد الخاصة بالصناعات الدفاعية الأمريكية.

وتشير الباحثة مارينا تشانج من معهد العلاقات الأسترالية الصينية بجامعة التكنولوجيا في سيدني إلى أن هذه السيطرة تمنح بكين ما وصفته بـ"الهشاشة غير المتكافئة" بالنسبة لواشنطن، حيث يمكن للصين التأثير في تكلفة ومدة أي صراع تخوضه الولايات المتحدة من خلال التحكم في إمدادات هذه الموارد الحيوية.

كما قد تضطر الولايات المتحدة في هذه الحالة إلى البحث عن بدائل أكثر تكلفة أو أقل كفاءة، وهو ما قد يؤثر في قدرتها على إنتاج أنظمة التسليح المتقدمة بالسرعة المطلوبة.

مخزون أمريكي محدود

تزداد المخاوف الأمريكية بسبب محدودية المخزون الاستراتيجي من المعادن النادرة داخل الولايات المتحدة.

وتشير تقديرات إلى أن المخزونات الحالية قد تكفي لتغطية احتياجات الصناعات الدفاعية لفترة لا تتجاوز شهرين، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا في حال استمرار الحرب لفترة أطول.

كما أن إنشاء سلاسل توريد بديلة لهذه المعادن يتطلب استثمارات ضخمة ووقتًا طويلًا، نظرًا لتعقيد عمليات التعدين والمعالجة الخاصة بها.

ولهذا السبب، أصبح ملف المعادن النادرة أحد القضايا التي يُتوقع أن تتصدر جدول أعمال اللقاء المرتقب بين ترامب وشي جين بينج، حيث تسعى واشنطن إلى ضمان استمرار تدفق هذه الموارد الحيوية.

الحرب مع إيران واستنزاف الذخائر

تأتي هذه المخاوف في وقت تشير فيه التقارير إلى استهلاك سريع للذخائر المتقدمة خلال العمليات العسكرية ضد إيران.

فقد أفادت تقارير إعلامية بأن وزارة الدفاع الأمريكية أنفقت ما يقارب 5.6 مليار دولار من الذخائر خلال أول يومين فقط من العمليات العسكرية، وهو رقم يعكس حجم العمليات المكثفة التي تشهدها الحرب.

وتعتمد العديد من هذه الذخائر المتقدمة على مكونات تدخل في تصنيعها المعادن الأرضية النادرة، ما يعني أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى ضغط متزايد على المخزونات الأمريكية من هذه الموارد.

ورغم أن بعض الخبراء يعتقدون أن المخزون الحالي من الصواريخ والذخائر قد يكفي لمواصلة العمليات العسكرية لفترة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، فإن إعادة بناء هذه الترسانة بعد انتهاء الحرب قد تكون عملية معقدة للغاية.

إعادة بناء الترسانة العسكرية

لا تقتصر المشكلة على استمرار العمليات العسكرية فحسب، بل تمتد أيضًا إلى مرحلة ما بعد الحرب، حيث ستحتاج الولايات المتحدة إلى إعادة بناء مخزونها من الأسلحة المتقدمة.

وتعتمد هذه العملية بشكل كبير على توفر المعادن النادرة، ما يعني أن أي قيود صينية على التصدير قد تؤدي إلى إبطاء عمليات الإنتاج وإعادة التسليح.

كما أن الاعتماد الكبير على مورد واحد يشكل خطرًا استراتيجيًا طويل الأمد، وهو ما دفع بعض المسؤولين الأمريكيين في السنوات الأخيرة إلى الدعوة لتنويع مصادر هذه المعادن وتطوير صناعة التعدين المحلية.

غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب سنوات من العمل والاستثمار، ما يجعل الولايات المتحدة في الوقت الحالي عرضة لتأثير أي قرارات صينية في هذا المجال.

المعادن النادرة في قلب الصراع العالمي

تكشف أزمة المعادن النادرة المرتبطة بالحرب مع إيران عن جانب مهم من طبيعة الصراعات الحديثة، حيث لم تعد الحروب تعتمد فقط على القوة العسكرية المباشرة، بل أصبحت ترتبط أيضًا بالصراع على الموارد الاستراتيجية وسلاسل الإمداد العالمية.

ففي عالم يعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا المتقدمة، تصبح السيطرة على المواد الخام الحيوية عاملًا حاسمًا في تحديد موازين القوة بين الدول.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى المعادن النادرة باعتبارها أحد أبرز الأسلحة الاقتصادية في المنافسة بين القوى الكبرى، خاصة بين الولايات المتحدة والصين.

مستقبل المواجهة بين واشنطن وبكين

في ضوء هذه التطورات، يبدو أن ملف المعادن النادرة سيظل عنصرًا مهمًا في العلاقات الأمريكية الصينية خلال السنوات المقبلة.

فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تقليل اعتمادها على الإمدادات الصينية، تعمل بكين على تعزيز موقعها كمورد رئيسي لهذه الموارد الحيوية.

وفي ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، قد تتحول هذه المعادن إلى ورقة ضغط حاسمة في الصراع الجيوسياسي العالمي.

وبينما تتواصل العمليات العسكرية في إيران، يبقى السؤال الأهم: هل ستستخدم الصين بالفعل سلاح المعادن النادرة لتغيير موازين القوة في هذا الصراع، أم ستظل هذه الورقة مجرد أداة ضغط سياسية ضمن لعبة التوازنات الدولية؟