مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

البرلمان الجزائري يشدد عقوبات تمجيد الاستعمار ويعدّل قانون تجريمه

نشر
الأمصار

صوّت البرلمان الجزائري على نسخة منقحة من مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، بعد إدخال تعديلات جوهرية على عدد من مواده، في خطوة تهدف إلى تشديد العقوبات على تمجيد الحقبة الاستعمارية، مع إبقاء هامش سياسي يسمح باستمرار الحوار مع فرنسا حول ملفات الذاكرة التاريخية.

ويأتي عرض المشروع للتصويت بعد سنوات طويلة من الجدل، إذ طُرح لأول مرة عام 2006 كرد فعل على تشريعات فرنسية في عهد الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك، كانت قد أثارت انتقادات في الجزائر بسبب ما اعتُبر آنذاك تمجيداً لفترة الاستعمار. وبعد ما يقارب عقدين من التجميد والتعثر، عاد المشروع إلى الواجهة في ظل توتر العلاقات بين الجزائر وفرنسا منذ صيف عام 2024.

وكان المجلس الشعبي الوطني الجزائري قد صادق في يناير الماضي على المشروع بصيغته الكاملة، غير أن مجلس الأمة الجزائري أبدى تحفظات على بندين أساسيين يتعلقان بمطالبة فرنسا بتقديم اعتذار رسمي عن جرائم الاستعمار، إضافة إلى دفع تعويضات مالية عن تلك الجرائم.

ولمعالجة الخلاف بين غرفتي البرلمان، جرى تشكيل لجنة برلمانية مشتركة تضم عدداً متساوياً من الأعضاء من الجانبين، بهدف التوصل إلى صيغة توافقية للنص قبل طرحه للتصويت النهائي. وقد أدخلت اللجنة تعديلات واسعة على المشروع شملت حذف بعض المواد الأساسية وتعديل سبع مواد أخرى.

ومن أبرز التعديلات التي أُدخلت على مشروع القانون إلغاء المادة الأولى التي كانت تحمل طابعاً إنشائياً، إضافة إلى حذف المادة العاشرة المتعلقة بالتعويضات المالية، وذلك بهدف إبعاد ملف الذاكرة التاريخية عن المطالب المادية، انطلاقاً من مبدأ أن تضحيات شهداء الثورة الجزائرية لا يمكن تقديرها مالياً.

كما تم حذف المادة العشرين الخاصة بحماية الرموز الوطنية والذاكرة التاريخية، باعتبار أن هذا الأمر منصوص عليه مسبقاً في قانون المجاهد والشهيد الجزائري، إلى جانب إلغاء المادة الخامسة والعشرين المتعلقة بملف نهب الممتلكات العقارية وتأميمها خلال فترة الاحتلال الفرنسي بين عامي 1830 و1962.

وفي ما يتعلق بمسألة الاعتراف بالجرائم الاستعمارية، عدّلت اللجنة المادة التاسعة بحيث تم حذف مطلب الاعتذار الرسمي من فرنسا، والاكتفاء بالمطالبة باعتراف رسمي بجرائمها خلال فترة الاستعمار، وهو ما اعتُبر متوافقاً مع الموقف الرسمي للدولة الجزائرية الذي عبّر عنه في أكثر من مناسبة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.

وشملت التعديلات أيضاً تبسيط توصيف جريمة التعاون مع الاستعمار في المادة السابعة عبر حذف وصف “الخيانة العظمى”، فيما تم دمج مادتين أخريين لتحديد عقوبة تمجيد الاستعمار بالسجن لمدة تصل إلى خمس سنوات.

وفي خطوة لافتة، شدد القانون العقوبات الواردة في المادة السابعة عشرة لتصل إلى السجن لمدة عشر سنوات لكل من يروج للفكر الاستعماري داخل المؤسسات التعليمية أو عبر وسائل الإعلام، في محاولة للحد من أي خطاب يُنظر إليه باعتباره تبريراً لجرائم الاستعمار.

كما احتفظ المشروع المعدل بتصنيف جرائم مثل الاغتصاب والاستعباد الجنسي ضمن قائمة الجرائم الاستعمارية، وهي خطوة وصفت بأنها غير مسبوقة في التشريع الجزائري، إذ ظل هذا الملف لفترة طويلة غائباً عن النصوص القانونية رغم توثيقه في بعض الدراسات التاريخية والكتابات الصحافية.

وأوضحت اللجنة البرلمانية أن إدراج هذه الانتهاكات في القانون يهدف إلى توثيق الجرائم التي تعرض لها الجزائريون والجزائريات خلال الحقبة الاستعمارية، وعدم تجاهل أحد أكثر الانتهاكات قسوة التي ارتكبت خلال تلك الفترة.

كما تضمنت التعديلات فتح المجال أمام منظمات المجتمع المدني للمشاركة في جهود حفظ الذاكرة الوطنية، إضافة إلى التأكيد على ضرورة صون كرامة المقاومين الأوائل للاستعمار في القرن التاسع عشر، وكذلك المجاهدين الذين شاركوا في حرب التحرير الجزائرية بين عامي 1954 و1962.

وبحسب مصادر برلمانية جزائرية، فإن رفض مجلس الأمة النسخة الأولى من القانون جاء في سياق توجيهات سياسية عليا، تزامنت مع مؤشرات على إمكانية تهدئة التوتر بين الجزائر وباريس، ما دفع إلى اعتماد صيغة أقل تصعيداً قد تسمح باستمرار قنوات الحوار بين البلدين.

وتشهد العلاقات بين الجزائر وفرنسا توتراً ملحوظاً منذ يوليو 2024، بعد إعلان الإليزيه اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء، وهو القرار الذي دفع الجزائر إلى سحب سفيرها من باريس.

كما تزامن التوتر مع ملفات أخرى عالقة بين البلدين، من بينها قضايا الهجرة، والأرشيف التاريخي للثورة الجزائرية، ورفات المقاومين الجزائريين التي تحتفظ بها متاحف فرنسية، إضافة إلى بعض المقتنيات التاريخية المرتبطة بالأمير عبد القادر الجزائري.

ورغم استمرار الخلافات، شهدت الأشهر الأخيرة محاولات دبلوماسية لخفض التوتر بين الجانبين، من بينها زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر، حيث التقى وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود لبحث ملفات الأمن والهجرة والتعاون في منطقة الساحل والبحر المتوسط.

كما زارت الجزائر في وقت سابق السياسية الفرنسية سيغولين روايال، رئيسة جمعية فرنسا – الجزائر، في إطار جهود غير رسمية للمساعدة في إعادة العلاقات بين البلدين إلى مسارها الطبيعي بعد فترة من التصعيد السياسي والدبلوماسي.