مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

طهران: الدبلوماسية ممكنة لكن قرار إنهاء الحرب بأيدينا

نشر
الأمصار

في ظل التصعيد العسكري المتواصل بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتواصل التصريحات السياسية التي تعكس مواقف الأطراف المختلفة بشأن مستقبل الحرب وإمكانية إنهائها. وفي هذا السياق، أكدت طهران أن قرار وقف العمليات العسكرية لا يزال بيدها، مشددة على أن أي تهدئة أو نهاية للحرب مرهونة بتقديم ضمانات حقيقية تمنع تكرار الهجمات التي تعرضت لها البلاد خلال الفترة الماضية.

وجاءت هذه التصريحات على لسان نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، الذي أوضح أن بلاده تتعامل مع الأزمة الراهنة من منطلق الدفاع عن النفس، مؤكداً أن الجمع بين الدبلوماسية والقدرة العسكرية يشكل الركيزة الأساسية في الاستراتيجية الإيرانية خلال المرحلة الحالية.

تصعيد عسكري غير مسبوق

تشهد المنطقة منذ نهاية فبراير الماضي تصعيداً عسكرياً واسعاً عقب الضربات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على عدد من المواقع داخل إيران. وشملت هذه الهجمات أهدافاً متعددة في العاصمة طهران ومدناً أخرى، ما أدى إلى وقوع خسائر بشرية ومادية كبيرة.

وأثارت تلك الضربات ردود فعل غاضبة داخل إيران، خاصة بعد الإعلان عن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار قادة الحرس الثوري والجيش الإيراني. واعتبرت طهران هذه العمليات تصعيداً خطيراً يستهدف القيادة السياسية والعسكرية للبلاد.

وفي المقابل، سارعت إيران إلى الرد عبر سلسلة من الضربات الصاروخية التي استهدفت مواقع إسرائيلية وقواعد عسكرية أمريكية في بعض دول المنطقة. وأكدت القيادة الإيرانية أن هذه الضربات تأتي في إطار الدفاع عن النفس، وأنها تستهدف المواقع التي انطلقت منها الهجمات على الأراضي الإيرانية.

طهران تؤكد تمسكها بحق الدفاع

في تصريحاته الأخيرة، شدد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي على أن إيران تواصل الدفاع عن نفسها "بحزم وجدية"، مؤكداً أن الإجراءات العسكرية التي تتخذها بلاده تأتي في سياق الرد الطبيعي على الاعتداءات التي تعرضت لها.

وأوضح آبادي أن استخدام القوة العسكرية في مثل هذه الظروف ليس خياراً منفصلاً عن المسار الدبلوماسي، بل يتم ضمن توازن محسوب بين العمل العسكري والتحرك السياسي. وأضاف أن إيران لا تزال ترى في الدبلوماسية أداة مهمة يمكن استخدامها في مختلف الظروف، لكنها في الوقت نفسه لن تتخلى عن حقها في الرد على أي هجوم يستهدف سيادتها.

وأشار المسؤول الإيراني إلى أن بلاده تدرك أن الحروب غالباً ما تحمل عواقب معقدة، ولذلك تحرص على إدارة الأزمة بطريقة تضمن حماية مصالحها الاستراتيجية دون التخلي عن فرص الحلول السياسية إذا توفرت الظروف المناسبة لذلك.

المفاوضات النووية في ظل التوتر

على الرغم من التصعيد العسكري، لم تتوقف الجهود الدبلوماسية المرتبطة بالملف النووي الإيراني. فقد أشار آبادي إلى أن الجولة الأخيرة من المفاوضات مع الولايات المتحدة ركزت بشكل كامل على الملف النووي، دون التطرق إلى القضايا العسكرية أو السياسية الأخرى المرتبطة بالصراع الحالي.

وأوضح أن إيران لم تكن الطرف الذي بادر بطلب الدخول في هذه المفاوضات، بل جاءت استجابة لدعوات من الولايات المتحدة وبعض القادة الإقليميين الذين سعوا إلى فتح قنوات حوار بين الجانبين.

وأضاف أن طهران دخلت هذه المفاوضات وهي تدرك طبيعة الطرف الذي تتعامل معه، في إشارة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن التجارب السابقة جعلت إيران تتعامل بحذر شديد مع أي مسار تفاوضي.

وأشار إلى أن الهجمات العسكرية التي وقعت خلال مفاوضات سابقة أظهرت أن الثقة بين الطرفين لا تزال محدودة، وهو ما دفع إيران إلى إطلاع أجهزتها الأمنية والعسكرية والاستخباراتية بشكل كامل على تفاصيل المفاوضات لضمان الجاهزية لأي تطورات مفاجئة.

قرار وقف الحرب بيد إيران

من أبرز النقاط التي شدد عليها المسؤول الإيراني في تصريحاته أن قرار إنهاء الحرب أو الاستمرار فيها يعود إلى طهران وحدها. وأوضح أن إيران لن توافق على وقف العمليات العسكرية إلا إذا حصلت على ضمانات واضحة بعدم تكرار الاعتداءات التي تعرضت لها.

وأضاف أن هذه الضمانات تمثل شرطاً أساسياً لأي اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار، مؤكداً أن بلاده لن تقبل بوقف الحرب إذا لم يتحمل الطرف الآخر مسؤولية أفعاله وما ترتب عليها من خسائر بشرية ومادية.

كما أشار إلى أن تقييم هذه الضمانات سيعتمد على مجموعة من المؤشرات السياسية والعسكرية، وأن القيادة الإيرانية ستدرس هذه المؤشرات بعناية قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بوقف العمليات العسكرية.

أبعاد إقليمية للصراع

لم يقتصر تأثير الحرب على إيران وإسرائيل والولايات المتحدة فقط، بل امتد ليشمل دولاً أخرى في المنطقة. فقد استهدفت بعض الضربات الإيرانية قواعد عسكرية أمريكية في دول إقليمية، وهو ما زاد من حدة التوترات الإقليمية.

ورغم ذلك، أكدت طهران أن عملياتها العسكرية لا تستهدف سيادة الدول التي توجد فيها هذه القواعد، بل تستهدف المواقع التي استخدمت كنقاط انطلاق للهجمات ضد الأراضي الإيرانية.

ويعكس هذا الموقف محاولة إيرانية لتجنب توسيع دائرة الصراع بشكل أكبر، خاصة أن أي مواجهة مباشرة مع دول أخرى في المنطقة قد تؤدي إلى تعقيد الأزمة وتحويلها إلى حرب إقليمية واسعة.

ضربات مفاجئة رغم المسار الدبلوماسي

أحد الجوانب التي أثارت جدلاً واسعاً في هذه الأزمة يتمثل في توقيت الضربات العسكرية التي استهدفت إيران، إذ جاءت في وقت كانت تجري فيه مفاوضات غير مباشرة بين واشنطن وطهران بوساطة سلطنة عمان.

وقد عقدت تلك المفاوضات في مدينة جنيف نهاية فبراير الماضي، وركزت بشكل أساسي على الملف النووي الإيراني وإمكانية إحياء الاتفاق النووي الذي انهار في السنوات الماضية.

غير أن اندلاع العمليات العسكرية بعد أيام قليلة من تلك المفاوضات أثار تساؤلات حول مستقبل المسار الدبلوماسي، ومدى إمكانية الفصل بين الملفات السياسية والعسكرية في العلاقات بين البلدين.

مستقبل الصراع واحتمالات التهدئة

في ظل التصريحات المتبادلة والتطورات الميدانية، يبقى مستقبل الحرب مفتوحاً على عدة سيناريوهات. فمن جهة، تؤكد إيران أنها مستعدة لمواصلة القتال إذا استمرت الهجمات ضدها، ومن جهة أخرى لا تغلق الباب أمام الحلول الدبلوماسية إذا توفرت الشروط المناسبة.

ويرى بعض المراقبين أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى زيادة الضغوط الدولية على جميع الأطراف للعودة إلى طاولة المفاوضات، خاصة مع تزايد المخاوف من اتساع نطاق الصراع وتأثيره على استقرار المنطقة وسوق الطاقة العالمية.

كما أن استمرار المواجهة العسكرية قد يفرض تحديات اقتصادية وأمنية على العديد من الدول، وهو ما قد يدفع القوى الدولية إلى تكثيف جهود الوساطة لاحتواء الأزمة.

خاتمة

تعكس التصريحات الإيرانية الأخيرة تمسك طهران بموقف حازم تجاه الصراع الجاري، حيث تؤكد أن قرار إنهاء الحرب ليس قراراً مفروضاً من الخارج، بل هو قرار سيادي تتخذه القيادة الإيرانية وفقاً لمصالحها وتقديراتها للأوضاع الميدانية والسياسية.

وفي الوقت نفسه، تترك هذه التصريحات الباب مفتوحاً أمام الحلول الدبلوماسية، لكنها تربطها بتوفير ضمانات واضحة تمنع تكرار الهجمات التي تعرضت لها البلاد. وبين التصعيد العسكري والجهود السياسية، تبقى المنطقة أمام مرحلة حساسة قد تحدد ملامح التوازنات الإقليمية في السنوات المقبلة.