مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

حرب إيران تربك حسابات البنوك المركزية في الأسواق الناشئة.. تفاصيل

نشر
الأمصار

في ظل التصعيد العسكري في الشرق الأوسط خلال عام 2026، أصبحت الحرب المرتبطة بإيران واحدة من أهم العوامل التي تعيد تشكيل السياسات الاقتصادية والنقدية في العالم. 

فمع ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد اضطرابات سلاسل الإمداد، وجدت البنوك المركزية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد؛ هل تركز على مكافحة التضخم المتصاعد، أم تحاول حماية الاقتصاد العالمي من تباطؤ جديد؟

وفي الواقع، تشير التحليلات الاقتصادية إلى أن هذه الحرب قد تُجبر العديد من البنوك المركزية الكبرى والناشئة على إعادة النظر في خطط خفض أسعار الفائدة أو تشديد السياسة النقدية، ما يجعل الصراع العسكري عاملاً مؤثراً بشكل مباشر في الاقتصاد العالمي.

كيف أجبرت الحرب المرتبطة بإيران البنوك المركزية على تغيير سياساتها؟

أولاً: صدمة الطاقة تعيد التضخم إلى الواجهة

أول تأثير مباشر للحرب كان الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز. فالتوترات العسكرية في منطقة الخليج، خاصة قرب مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، أدت إلى اضطرابات في الإمدادات وارتفاع كبير في الأسعار.  

وقد قفز سعر خام برنت خلال الأيام الأولى للصراع من نحو 70 دولاراً إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل، وهو ارتفاع كبير يعيد مخاوف التضخم العالمية.  

ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس بسرعة على:

بسبب الحرب المرتبطة بـ إيران وارتفاع أسعار النفط والغاز، فإن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على عدة قطاعات اقتصادية وحياتية، أهمها:
-أسعار الوقود والنقل
ارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى زيادة أسعار البنزين والسولار، وبالتالي ترتفع تكاليف النقل والشحن واللوجستيات.
-أسعار الغذاء
زيادة تكاليف النقل والطاقة المستخدمة في الزراعة والتصنيع تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية.
-تكاليف الإنتاج الصناعي
المصانع تعتمد بشكل كبير على الطاقة، لذلك يؤدي ارتفاع أسعارها إلى زيادة تكلفة الإنتاج وارتفاع أسعار المنتجات.
-فواتير الكهرباء والغاز
ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي يؤثر على تكلفة الكهرباء والتدفئة في كثير من الدول.
-معدلات التضخم
مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات نتيجة زيادة تكلفة الطاقة، ترتفع معدلات التضخم في الاقتصاد.
-قرارات البنوك المركزية
ارتفاع التضخم الناتج عن الطاقة قد يدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة أو تأجيل خفضها لمحاولة السيطرة على التضخم.

ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج والغذاء والكهرباء، وبالتالي ارتفاع التضخم وضغوط على الاقتصاد العالمي.

وبالتالي ترتفع معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى، وهو ما يضع البنوك المركزية أمام ضغط متزايد لاتخاذ إجراءات نقدية أكثر تشدداً.

ثانياً: البنوك المركزية أمام معادلة صعبة

عادةً ما تستخدم البنوك المركزية أسعار الفائدة كأداة أساسية للتحكم في التضخم والنمو الاقتصادي. لكن الحرب المرتبطة بإيران وضعت هذه المؤسسات أمام معادلة معقدة للغاية:
-الخيار الأول:
رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة.

-الخيار الثاني:
خفض الفائدة لدعم الاقتصاد في ظل تباطؤ التجارة والاستثمار.

لكن الجمع بين الهدفين أصبح شبه مستحيل، وهو ما يهدد بظهور ظاهرة اقتصادية خطيرة تعرف بـ الركود التضخمي، أي ارتفاع التضخم مع تباطؤ النمو الاقتصادي.  

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار الصراع قد يؤدي إلى "صدمة تضخم عالمية" تعطل التعافي الاقتصادي العالمي الذي بدأ بعد سنوات من الأزمات.  

ثالثاً: تغيير توقعات أسعار الفائدة العالمية

قبل اندلاع الحرب، كانت العديد من البنوك المركزية تستعد لبدء دورة خفض أسعار الفائدة بعد فترة طويلة من التشديد النقدي.

لكن مع اندلاع الصراع، تغيرت هذه التوقعات بشكل ملحوظ:
1- الولايات المتحدة
كان من المتوقع أن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي خفض الفائدة خلال 2026، لكن ارتفاع أسعار الطاقة قد يجبره على تأجيل الخفض أو حتى إبقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول.
2- أوروبا
الاقتصاد الأوروبي يُعد من أكثر المتضررين بسبب اعتماده الكبير على واردات الطاقة. وقد حذر اقتصاديون في البنك المركزي الأوروبي من أن الحرب الطويلة قد ترفع التضخم وتضغط على النمو الاقتصادي في منطقة اليورو.  
3- بريطانيا
ارتفاع أسعار النفط أدى إلى صعود عوائد السندات البريطانية، ما جعل خفض الفائدة أقل احتمالاً في المدى القريب.

رابعاً: تأثير أكبر على الأسواق الناشئة

تواجه الاقتصادات الناشئة تحديات أكبر من الاقتصادات المتقدمة بسبب عدة عوامل:
ضعف العملات المحلية أمام الدولار
ارتفاع تكلفة استيراد الطاقة
احتمال خروج رؤوس الأموال الأجنبية
ولهذا السبب قد تضطر البنوك المركزية في هذه الدول إلى رفع أسعار الفائدة أو تأجيل خفضها للحفاظ على استقرار العملات ومنع التضخم.  

وفي بعض الدول، يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى ضغوط تضخمية شديدة تدفع البنوك المركزية إلى تشديد السياسة النقدية رغم تباطؤ الاقتصاد.

خامساً: اضطرابات الأسواق المالية العالمية

الحرب لم تؤثر فقط على التضخم والطاقة، بل امتدت آثارها إلى الأسواق المالية العالمية، حيث شهدت:
تراجعاً في أسواق الأسهم
ارتفاع أسعار الذهب كملاذ آمن، وزيادة الطلب على الدولار الأمريكي، وتقلبات حادة في أسواق السندات

كما أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي دفعت المستثمرين إلى الابتعاد عن الأصول الخطرة والبحث عن الاستثمارات الدفاعية.  

هذا الوضع يزيد من صعوبة مهمة البنوك المركزية التي تسعى للحفاظ على استقرار الأسواق المالية.

سادساً: احتمال إعادة رسم السياسات الاقتصادية العالمية

يرى خبراء الاقتصاد أن الحرب المرتبطة بإيران قد تدفع البنوك المركزية إلى إعادة صياغة استراتيجياتها طويلة المدى، خاصة في ما يتعلق بـ: التعامل مع صدمات الطاقة، وإدارة التضخم الناتج عن الأزمات الجيوسياسية، وتعزيز مرونة الاقتصاد العالمي أمام الصدمات

كما قد يدفع ذلك الدول إلى تسريع خطط التحول نحو الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على النفط والغاز في المناطق المتوترة سياسياً.

وختامًا.. فقد أظهرت الحرب المرتبطة بإيران مدى الترابط بين السياسة والجغرافيا والاقتصاد العالمي. فمع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق المالية، أصبحت البنوك المركزية حول العالم مضطرة إلى إعادة النظر في سياساتها النقدية، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين مكافحة التضخم وحماية النمو الاقتصادي.

ومع استمرار حالة عدم اليقين بشأن مدة الصراع، يبدو أن صناع السياسة النقدية سيواجهون واحداً من أصعب الاختبارات منذ الأزمة المالية العالمية، حيث لم تعد قرارات أسعار الفائدة تعتمد فقط على المؤشرات الاقتصادية التقليدية، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بتطورات الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط.