هل يفتح أكراد إيران جبهة جديدة في الحرب؟
عاد الملف الكردي في إيران إلى الواجهة مجددًا، في ظل تصاعد التوترات العسكرية والسياسية في المنطقة، وظهور مؤشرات على احتمال فتح جبهة جديدة داخل الأراضي الإيرانية.
وياتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من التصعيد غير المسبوق، مع دخول أطراف دولية وإقليمية على خط المواجهة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مستقبل الصراع وتأثيراته على استقرار الشرق الأوسط.

وخلال الأيام الأخيرة، تصاعدت التصريحات السياسية والتقارير الإعلامية التي تتحدث عن احتمال تحرك فصائل كردية إيرانية ضد الحكومة في إيران، وهو ما قد يفتح فصلًا جديدًا من المواجهة المسلحة داخل البلاد.
تصريحات أمريكية تشعل الجدل
أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلًا واسعًا بعد أن أعرب عن دعمه لفكرة قيام مقاتلين أكراد إيرانيين بشن هجوم ضد طهران في ظل الحرب الدائرة حاليًا في المنطقة.

وقال ترامب، في تصريحات صحفية، إن فكرة تحرك الأكراد ضد إيران "أمر رائع"، مؤكدًا أنه سيدعم هذا التوجه بالكامل. غير أنه امتنع عن الكشف عما إذا كانت الولايات المتحدة ستقدم دعمًا عسكريًا مباشرًا، مثل الغطاء الجوي، لتلك الفصائل.
هذا التصريح فتح الباب أمام العديد من التحليلات السياسية، إذ يرى مراقبون أن أي دعم أمريكي محتمل قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع، وربما يدفع إيران إلى اتخاذ إجراءات أكثر حدة ضد الفصائل الكردية داخل حدودها.
ضربات إيرانية لمواقع كردية
في المقابل، كثفت إيران خلال الأيام الماضية ضرباتها ضد مواقع تابعة لجماعات كردية معارضة متمركزة في إقليم كردستان العراق، متهمة تلك الجماعات بالعمل لصالح قوى خارجية، بينها الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبحسب تقارير ميدانية، استهدفت ضربات صاروخية وطائرات مسيرة معسكرات لفصائل كردية إيرانية في شمال العراق، ما أدى إلى وقوع إصابات محدودة بين عناصر تلك الجماعات.
ومن بين التنظيمات التي تعرضت مواقعها للقصف، مقار تابعة لـالحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وكذلك عناصر مرتبطة بـحزب حرية كردستان، وهو فصيل مسلح ينشط ضد الحكومة الإيرانية ويطالب بقدر أكبر من الحكم الذاتي للأكراد داخل البلاد.
الأكراد في إيران.. أقلية ذات تاريخ طويل من الاحتجاج
يشكل الأكراد نحو 10% من سكان إيران، ويتمركز معظمهم في المناطق الشمالية الغربية على الحدود مع العراق. ووفقًا لما ذكرته صحيفة The New York Times، فإن هذه الأقلية كانت في كثير من الأحيان في طليعة الحركات الاحتجاجية داخل البلاد.
وتاريخيًا، طالبت الحركات الكردية في إيران بمزيد من الحقوق الثقافية والسياسية، بل إن بعض الفصائل رفعت شعار الحكم الذاتي، وهو ما قوبل برفض شديد من السلطات الإيرانية التي تعتبر تلك الدعوات تهديدًا لوحدة الدولة.
حادثة مهسا أميني وإحياء الحراك الكردي
عاد الملف الكردي إلى الواجهة بقوة عام 2022 عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني، التي توفيت بعد اعتقالها من قبل شرطة الآداب في إيران بتهمة مخالفة قواعد اللباس.
وأشعلت وفاتها موجة احتجاجات واسعة في مختلف أنحاء إيران، تجاوزت قضية الحجاب لتتحول إلى حركة احتجاجية أكبر تطالب بالحريات السياسية وحقوق المرأة.

وفي المناطق الكردية تحديدًا، اتخذت الاحتجاجات طابعًا أكثر حدة، حيث شهدت بعض المدن مواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن.
بل إن مدينة "أوشناوية" في إقليم كردستان الإيراني شهدت في مرحلة من المراحل سيطرة مؤقتة للمتظاهرين، قبل أن تستعيدها القوات الحكومية سريعًا.
تحالفات كردية جديدة
في تطور لافت، أعلنت خمسة فصائل كردية إيرانية معارضة مؤخرًا تشكيل تحالف سياسي جديد يهدف إلى إسقاط النظام الإيراني والدفاع عن حق الأكراد في تقرير مصيرهم.
ويقول قادة تلك الفصائل إن التحالف يسعى إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية للمعارضة الكردية، خاصة في ظل التغيرات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
لكن هذه الخطوة أثارت أيضًا انتقادات من بعض أطراف المعارضة الإيرانية الأخرى، خاصة أنصار النظام الملكي السابق، الذين يؤكدون أن وحدة الأراضي الإيرانية يجب أن تبقى أولوية قصوى.
هل يتحول الصراع إلى جبهة جديدة؟
رغم التصريحات والتقارير المتداولة، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الفصائل الكردية ستبدأ بالفعل عمليات عسكرية واسعة داخل إيران.
فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الأكراد عبروا الحدود سابقًا لدعم بعضهم البعض، كما حدث خلال الحرب الأهلية في سوريا عندما شاركت قوات كردية من عدة مناطق في القتال ضد تنظيم داعش.
لكن الوضع في إيران يبدو أكثر تعقيدًا، نظرًا لقوة القبضة الأمنية للدولة، إضافة إلى وجود انقسامات بين الفصائل الكردية نفسها.
علاقة الأكراد بالولايات المتحدة
على مدار أكثر من عقد، كانت القوات الكردية من أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، خصوصًا في سوريا، حيث لعبت دورًا رئيسيًا في الحرب ضد تنظيم داعش.
وقد شاركت تلك القوات في حماية قواعد أمريكية وإدارة مخيمات احتجاز تضم آلاف المقاتلين السابقين في التنظيم.

لكن هذا التحالف شهد في السنوات الأخيرة بعض التراجع، خاصة بعد التغيرات السياسية في المنطقة، والدعم الأمريكي للحكومة السورية الجديدة.
ورغم ذلك، لا يزال التعاون العسكري والاستخباراتي بين بعض الفصائل الكردية وواشنطن قائمًا بدرجات متفاوتة.
تداعيات إقليمية محتملة
يرى خبراء أن فتح جبهة كردية داخل إيران قد يؤدي إلى تداعيات إقليمية واسعة، إذ قد يمتد تأثيره إلى دول أخرى تضم أقليات كردية مثل العراق وتركيا وسوريا.
كما أن أي تصعيد جديد قد يدفع إيران إلى توسيع عملياتها العسكرية خارج حدودها، خاصة في المناطق التي تنشط فيها الفصائل الكردية المسلحة.
في المقابل، يحذر محللون من أن مثل هذا السيناريو قد يزيد من تعقيد الصراع في الشرق الأوسط، ويهدد بفتح جبهات متعددة في وقت واحد.
في ظل هذه التطورات، يبقى مستقبل التحركات الكردية في إيران مفتوحًا على عدة احتمالات.
فبينما يرى البعض أن الظروف الحالية قد تشجع الفصائل الكردية على تصعيد عملياتها، يعتقد آخرون أن الحسابات السياسية والعسكرية المعقدة قد تمنع اندلاع مواجهة واسعة في الوقت الراهن.
لكن المؤكد أن الملف الكردي عاد بقوة إلى دائرة الاهتمام الدولي، وأن أي تحرك جديد قد يغير موازين الصراع في المنطقة خلال الفترة المقبلة.

