مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

من البرلمان إلى مجلس القيادة.. هل يصعد لاريجاني لقيادة إيران؟

نشر
الأمصار

تصدر اسم علي لاريجاني المشهد السياسي في إيران مجددًا عقب الإعلان عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في غارة جوية، وما تبع ذلك من حديث عن ترتيبات دستورية لتشكيل مجلس قيادة مؤقت يتولى إدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية. 

وفي خضم هذه التطورات، برز لاريجاني كأحد أبرز الأسماء المطروحة لقيادة المرحلة الحساسة، نظرًا لتاريخه الطويل داخل مؤسسات الدولة وعلاقته الوثيقة بمراكز القرار.

لاريجاني: إيران لن تتفاوض مع الولايات المتحدة | النهار

النشأة والخلفية العلمية

وُلد علي لاريجاني عام 1958 في مدينة النجف العراقية لأسرة دينية بارزة، قبل أن تعود عائلته إلى مدينة قم الإيرانية مطلع الستينيات. 

نشأ في بيئة دينية محافظة، إذ كان والده من رجال الدين المعروفين، ما أتاح له مبكرًا الانخراط في دوائر النخبة الدينية والسياسية.

التحق بجامعة شريف الصناعية في طهران، حيث درس علوم الحاسوب، ثم واصل مسيرته الأكاديمية ليحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة، وهو مزيج أكاديمي جمع بين التخصص التقني والخلفية الفكرية، انعكس لاحقًا على أسلوبه في العمل السياسي الذي اتسم بالبراغماتية والانضباط المؤسسي.

من الحرس الثوري إلى الإعلام الرسمي

بعد الثورة الإسلامية عام 1979، انضم لاريجاني إلى الحرس الثوري الإيراني خلال ثمانينيات القرن الماضي، وتدرج في مناصب عسكرية وإدارية، قبل أن يتحول إلى العمل السياسي والإداري.

في عام 1994، عُيّن رئيسًا لهيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، وهو منصب بالغ التأثير في إيران نظرًا لاحتكار الدولة لوسائل البث. واستمر في هذا المنصب حتى عام 2004، حيث لعب دورًا محوريًا في توجيه الخطاب الإعلامي الرسمي خلال مرحلة اتسمت بحساسية سياسية داخلية وتوترات خارجية.

لبنان يبلغ لاريجاني رفضه أي تدخل خارجي في شؤونه - SWI swissinfo.ch

ملف الأمن القومي والمفاوضات النووية

في عام 2005، عُيّن أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي وكبيرًا للمفاوضين في الملف النووي خلال رئاسة محمود أحمدي نجاد. غير أن خلافاته مع أحمدي نجاد بشأن إدارة التفاوض مع الغرب أدت إلى استقالته عام 2007.

ورغم قصر تلك الفترة، رسّخ لاريجاني صورته كشخصية تميل إلى الدبلوماسية العملية، إذ دافع عن حق إيران في تخصيب اليورانيوم، لكنه أبدى استعدادًا للحوار. وشبّه ذات مرة الحوافز الأوروبية للتخلي عن إنتاج الوقود النووي بـ"تبديل لؤلؤة بقطعة حلوى"، في إشارة إلى تمسكه بالموقف التفاوضي الإيراني.

لاريجاني: أي حديث عن استسلام إيران يعد خطأً كبيراً - الإخبارية السورية

رئاسة البرلمان ودور محوري في اتفاق 2015

في عام 2008، انتُخب رئيسًا لمجلس الشورى الإسلامي، واستمر في المنصب حتى عام 2020. وخلال تلك السنوات، لعب دور الوسيط بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وساهم في تمرير الاتفاق النووي لعام 2015 الذي أبرمته طهران مع القوى الكبرى.

غير أن الاتفاق واجه انتكاسة كبيرة بعد انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منه عام 2018، ما أعاد التوتر إلى العلاقات بين طهران وواشنطن.

تراجع سياسي ثم عودة قوية

رغم خبرته الطويلة، تعرض لاريجاني لتراجع في نفوذه السياسي خلال صعود التيار المحافظ المتشدد. وتم استبعاده من الترشح للانتخابات الرئاسية عامي 2021 و2024، بما في ذلك الانتخابات التي أعقبت وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي.

لكن عودته جاءت في أغسطس الماضي، حين عُيّن مجددًا أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، في خطوة اعتُبرت إشارة إلى استعادة ثقته داخل دوائر القرار، خصوصًا مع تصاعد التوترات الإقليمية.

علاقات خارجية وتحركات دبلوماسية

خلال الأشهر الأخيرة، كثّف لاريجاني تحركاته الخارجية، فزار سلطنة عمان التي لعبت دور الوسيط في المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، كما أجرى زيارات متكررة إلى موسكو، حيث التقى بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في إطار تعزيز التنسيق مع أحد أبرز حلفاء طهران.

وفي تصريحات إعلامية، تبنّى نبرة توصف بالعملية بشأن الملف النووي، معتبرًا أن القضية "قابلة للحل" إذا توافرت الضمانات المتبادلة.

عقوبات أميركية وانتقادات حقوقية

في المقابل، فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه في يناير الماضي، متهمة إياه بالضلوع في حملة قمع احتجاجات داخلية.

 ووفق بيان صادر عن وزارة الخزانة الأميركية، وُجهت إليه اتهامات بالدعوة لاستخدام العنف ضد المحتجين، وهو ما نفته طهران، معتبرة الإجراءات "تدخلًا في الشؤون الداخلية".

هل يقود المرحلة الانتقالية؟

مع الإعلان عن اغتيال خامنئي، عاد اسم لاريجاني بقوة إلى الواجهة. وبحسب ما أوردته صحيفة The New York Times، فإن المرشد الراحل كان قد كلّفه سابقًا بمهام تتعلق بضمان استمرارية النظام في حالات الطوارئ.

وفي أول تصريح له بعد الإعلان عن الوفاة، أكد لاريجاني أن مجلسًا مؤقتًا للقيادة سيتشكل وفق الدستور، لضمان استمرارية مؤسسات الدولة وإدارة المرحلة الانتقالية.

ينتمي لاريجاني إلى صلب المؤسسة الحاكمة، ويتمتع بخبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في مواقع أمنية وتشريعية حساسة، إضافة إلى شبكة علاقات داخلية وخارجية واسعة.

 وبينما لم يُحسم بعد شكل القيادة المقبلة في إيران، يبقى اسمه أحد أبرز المرشحين للعب دور محوري في رسم ملامح المرحلة القادمة، سواء من داخل مجلس القيادة المؤقت أو عبر تأثيره في اختيار المرشد الجديد.