د. حسن أبو طالب يكتب: «إيران... ما بعد حقبة خامنئي»
لا شك في أن استهداف المرشد الإيراني علي خامنئي يمثل إنجازاً كبيراً، استخباراتياً وعسكرياً وسياسياً، لكل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فكلاهما يعتبر، كما يبدو، أن التخلص من قمة النظام في إيران ومجموعة من أبرز قياداته العسكرية والسياسية كفيل بأن يقود إلى إنهاء النظام ذاته.
هذا أحد السيناريوهات المطروحة نظرياً على الأقل، من دون أن نغفل أن هناك بدائل أخرى لها أسس وجذور. فالطريق ممهد عملياً لبقاء النظام ولو في شكل معدل. كما أن هناك احتمال الدخول في مرحلة اضطرابات تقترب من مواجهات أهلية، أو محاولات لتقسيم البلاد، حذَّر منها بصراحة علي لاريجاني، مستشار المرشد الراحل، والذي فُوِّض بصلاحيات كبرى إذا جد جديد في وضع البلاد.
بقاء النظام معدلاً مُرجح إلى حد بعيد. في الداخل الإيراني، ورغم استمرار المواجهات العسكرية، لم يكن هناك سوى التغلب على لحظة الانفعال والحزن؛ إذ بدأت خطوات المرحلة الانتقالية بتشكيل مجلس قيادة مؤقت من 3 شخصيات، يضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، ورجل الدين علي رضا أعرافي عضو مجلس صيانة الدستور، ليقود مرحلة انتقالية، يتحمل فيها هذا المجلس مسؤوليات المرشد، كما حددها الدستور في إدارة البلاد، إلى أن يتم اختيار رجل دين ذي مرجعية ومكانة من قبل مجلس تشخيص مصلحة النظام مرشداً أعلى للبلاد.
المهم هنا أن إيران بدأت عملياً مرحلة ما بعد خامنئي. كانت مرحلة المرشد الراحل التي امتدت 37 عاماً، مملوءة بالتحديات والعقوبات والتحولات الجيلية في الداخل، والعديد من الاضطرابات والمظاهرات المناهضة للنظام أحياناً، ولسياسات الحكومة التي فشلت في تحسين حياة الناس أحياناً أخرى. وفي الآن نفسه كانت إيران، في مرحلة خامنئي، تجتهد في الالتفاف على العقوبات الأميركية والدولية، والاستمرار في تطوير قدرات نووية لم تصل إلى حد إنتاج رأس نووي حربي، ولكنها عبّرت عن الاقتناع الكامل بضرورة تطوير تلك القدرات، حتى وإن لامست أو اقتربت قليلاً من العتبة النووية الحربية. وهذه المهمة الكبرى هي التي ولَّدت مزيداً من الضغوط الأميركية والإسرائيلية، دعائياً وسياسياً وعسكرياً، كما ولَّدت أيضاً مزيداً من الشكوك لدى قوى إقليمية.
حقبة ما بعد خامنئي تضع إيران أمام مزيد من التحديات، أبرزها كيفية الخروج من مرحلة الحرب والرد على الغارات الأميركية والإسرائيلية إلى مرحلة الهدوء، وكيف تستمر المؤسسات في عملها في ظل أعمال عسكرية مفتوحة على مصراعيها، مقرونة بتأكيدات إسرائيلية وأميركية أن الهدف هو إنهاء النظام، ودفع الإيرانيين إلى التخلص منه، فضلاً عن تقليص قدراته العسكرية النووية والصاروخية، مع استمرار مزيد من العقوبات الاقتصادية. ومن أهم التحديات: كيف لطهران في ظل قيادة جديدة أن تستعيد قدراً من الهدوء والثقة النسبية في علاقاتها الخليجية والإقليمية، بعد أن فقدت عنصر الثقة المحدود الذي طبع تلك العلاقات في السنوات القليلة الماضية.
التغيرات المتوقعة في إيران لا تصل بالضرورة إلى حد إنهاء النظام تماماً. هذا هو أحد الاحتمالات المطروحة. وهذه النهاية تتطلب كثيراً من العناصر التي لم تتبلور بعد. فالمؤسسات الأمنية ما زالت قادرة على احتواء الاحتجاجات، والقدرات العسكرية ما زالت قادرة على الرد، حتى ولو فقدت كثيراً من الإمكانات. والبديل الخارجي غير محدد المعالم، وإن وُجد من يطرح اختياراً خارجياً فهو ربما يفتقد التأييد الشعبي القادر على تغيير المعادلات الداخلية في زمن وجيز.
ورغم أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية تستهدف إنهاك النظام إلى حد التداعي الذاتي، فإنها تفتقد إلى الشرط الأهم في أي عملية تغيير بعمل عسكري خارجي، وهو عدم الزج بالجنود على الأرض، ما يجعل التحركات الشعبية، إن وُجدت، غير قادرة وحدها على إحداث التغيير الشامل. ولكن الإنهاك واستنزاف القدرات والتحركات الشعبية، إن وُجدت فستقود، على سبيل الترجيح، إلى حالة مراجعة حتمية، ما قد يقود إلى نموذج تغيير ذاتي يُعنى بالتكيّف مع الواقع الجديد، وترميم الأخطاء، والسعي إلى بناء هيكل سلطة وجملة سياسات تختلف في بعض معادلاتها الحاكمة عن تلك التي حكمت حقبة المرشد الراحل خامنئي.
لن يحدث التغيير المُرجَّح بسهولة. تغيير الدستور الإيراني ليس بالأمر اليسير. سيواجه المنادون بالمراجعة حتماً قدراً من المقاومة، ولا سيما من هؤلاء الذين سيظلون على إيمان بأن نظام الولي الفقيه بصيغته التي أسسها المرشد الأول الخميني، وسار على دربها خامنئي، لا تنازل عنه، سواء كان مؤسسات أو أشخاصاً ذوي مكانة، ناهيك من رغبات الانتقام المفتوح التي قد تتمكن من بعض فئات في مؤسسات حماية النظام، وتعمل على تقييد أي مراجعة ولو جزئية.
شخصية المرشد الجديد حال اختياره ستحدد المسار المستقبلي، ولا سيما حدود المراجعة والتغيير، وكذلك حدود الاستمرار وكأن شيئاً لم يحدث.
أي تجاهل لما جرى سيعني مزيداً من الصعوبات، ومزيداً من العزلة، ومزيداً من الغضب الشعبي.
ما سيحدث في إيران لا يخص إيران وحسب، فهي بلد مهم بمعايير الجغرافيا السياسية، والاعتبارات التاريخية، والدور الإقليمي، والإمكانات والموارد الكامنة المدنية والعسكرية، ومصالح قوى كبرى.
تأثيرات الداخل تمتد بشكل أو آخر إلى المحيط الأكبر. الإقليم بدوره يتطلع إلى إيران جديدة تنهض بنفسها، بعيدة عن عزلة إقليمية أو دولية. ولن يحدث ذلك من دون مراجعة حقيقية وسياسات جديدة، في الملفات الأمنية والعسكرية وطبيعة الدور الإقليمي.
نقلًا عن صحيفة الشرق الأوسط