مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

د. ياسر عبد العزيز يكتب: «السوشيال ميديا» كاشفة جرائم!

نشر
د. ياسر عبد العزيز
د. ياسر عبد العزيز

ليست وسائل «التواصل الاجتماعي» نهراً واحداً يجري في اتجاه معلوم، بل هي دلتا مُتشعبة، تتفرع منها جداول الضوء كما تتكاثر فيها ظلال العتمة. هي ساحة لهو وصخب، ومنبر رأيٍ واحتجاج، وسوق دعاية وخصومة، ومسارات للتجارة والأعمال، لكنها في لحظة تاريخية فارقة أضحت شيئاً آخر أيضاً: عيناً مفتوحة لا تنام، وعدسة لا ترتجف، وذاكرة رقمية ترفض أن يُدفن ما يُرتكب في الخفاء. من بين وجوهها الكثيرة برز وجه الكاشف، ذاك الذي يزيح الستار عن جرائم كانت تستتر بجدران البيوت أو بسلطة المؤسسات أو بسطوة النفوذ.

في الولايات المتحدة لم تكن حملة «مي تو» (MeToo) مجرد وسم عابر، بل كانت زلزالاً أخلاقياً انطلق من شهادات فردية على «المنصات الاجتماعية»، ثم ما لبث أن أطاح أسماء لامعة في الإعلام والسياسة والفن. لقد تحوّل السرد الشخصي إلى قوة مساءلة عامة، وأجبر مؤسسات عريقة على فتح تحقيقات داخلية وإعادة النظر في ثقافتها التنظيمية. وفي الهند فجّرت منشورات ومقاطع مصورة غضباً شعبياً عقب جرائم اعتداء مروعة، فاندفعت الحشود إلى الشوارع. وتحت ضغط الرأي العام شددت السلطات إجراءاتها وعدّلت بعض تشريعاتها. وفي الصين، حيث تضيق مساحات التعبير التقليدي، لعبت المنصات الرقمية دوراً في كشف وقائع اعتداء وتحرّش داخل مؤسسات تعليمية وشركات خاصة، فوجدت الجهات الرسمية نفسها مدفوعةً للتحقيق تحت أعين الملايين.

وفي نيجيريا أعاد وسم «EndSARS» تشكيل النقاش العام حول عنف الشرطة، إذ وثّق المواطنون بهواتفهم تجاوزاتٍ لم يكن لها أن تجد طريقها إلى الإعلام الرسمي، فتحولت المقاطع إلى أدلة حيّة غذّت تقارير منظمات حقوقية وأجبرت الحكومة على إعلان مراجعات.

هذا التحول لم يمر من دون انتباه الباحثين؛ إذ أشارت تقارير صادرة عن مكتب الأمم المتحدة المعنيّ بالمخدرات والجريمة إلى أن المحتوى الرقمي الذي يُنتجه المستخدمون أصبح مصدراً متنامياً للأدلة في التحقيقات، وأن أجهزة إنفاذ القانون في دول عدة طورت وحدات مختصة برصد الإشارات الأولى للجريمة على «المنصات الاجتماعية». وذهب باحثون في علم الجريمة الرقمي إلى أن ما يحدث يمثل شكلاً جديداً من الرقابة الأفقية، حيث يراقب المواطنون بعضهم بعضاً في فضاء مفتوح، فتتآكل المسافة بين الفعل وتوثيقه.

المفكر مانويل كاستلز، في تحليله لمجتمع الشبكات، رأى أن السلطة في العصر الرقمي لم تعد تحتكرها المؤسسات، بل تتوزع عبر شبكات قادرة على تعبئة الوعي والضغط. وما نشهده اليوم من كشف جرائم عبر «السوشيال ميديا» هو تجلٍّ عملي لهذا التحول، إذ ينتقل بعض من سلطة المراقبة من الدولة إلى المجتمع. كذلك حذّر زيغمونت باومان من سيولة الحداثة الرقمية، حيث تتكسر الحدود بين الخاص والعام، فيصبح كل حدث قابلاً للبث، وكل خطأ مرشحاً لأن يُخلّد في ذاكرة لا تنسى.

إن الأثر لا يقف عند حدود الفضح اللحظي، بل يمتد إلى إعادة صياغة المجال العام. حين تُنشر واقعة اعتداء في مكان عمل، لا تعود شأناً فردياً، بل تتحول إلى قضية نقاش حول ثقافة المؤسسة ومسؤولية الإدارة. وحين يُوثَّق سلوك عنيف لشرطي أو موظف، يصبح مادة مساءلة سياسية وقانونية. في هذا المعنى تتقاطع «السوشيال ميديا» مع الصحافة الاستقصائية، لكنها تمتاز عن تلك الأخيرة بأنها أكثر فورية وأقل قابلية للضغوط والقيود.

غير أن هذا الوجه الكاشف لا يخلو من مخاطر. فالمحاكمة الرقمية قد تسبق المحاكمة القضائية، وقد يتحول الاتهام إلى حكم نهائي في أعين الجمهور قبل أن يقول القضاء كلمته.

هنا يتبدى التناقض بين فضيلة الكشف وخطر الانفلات. فالقوة التي تفضح الجريمة يمكن أن تنقلب إلى أداة ظلم إذا غاب الضابط الأخلاقي والقانوني. لذلك دعت تقارير صادرة عن «يوروبول» ومنظمات معنية بحرية الصحافة إلى تطوير آليات تحقق رقمية، وإلى تدريب المستخدمين على التمييز بين التوثيق المسؤول والتشهير، وإلى تعزيز قنوات إبلاغ رسمية موازية تستفيد من سرعة المنصات من دون أن تتخلى عن ضمانات العدالة.

إن وسائل «التواصل الاجتماعي»، بكل تناقضاتها، أثبتت أنها أكثر من فضاء ترفيهي، أو منبر للرأي، أو ساحة استقطاب سياسي، أو مجال لممارسة الدعاية وإنعاش الأعمال. إنها مُختبر اجتماعي، تتشكل فيه أنماط جديدة من الرقابة والمساءلة. وتلك الأنماط قد تُستعمل للتحريض أو الابتزاز أو التضليل، لكنها تُستعمل أيضاً لكسر الصمت حول عنف كان يُوارى خلف الأبواب، أو فساد يُرتكب في الخفاء.

«السوشيال ميديا» أكثر من وسيلة إعلام جديدة خطفت ألباب الناس واستحوذت على اهتمامهم ووقتهم، فهي أيضاً يمكن أن تكون كاشفة للجرائم، وقيداً على التجاوز، ونافذة لضوء لا تقدر جدران التعتيم على حجبه.

نقلًا عن صحيفة الشرق الأوسط