القضاء التونسي يرفض وقف نشاط مصنع كيميائي مثير للجدل بقابس
حسم القضاء التونسي، اليوم الخميس، الجدل القانوني الدائر حول نشاط مصنع كيميائي حكومي في محافظة قابس جنوب الجمهورية التونسية، بعدما قرر رفض الدعوى التي تقدّم بها ناشطون بيئيون للمطالبة بوقف مؤقت لإنتاج وحدات المصنع، على خلفية اتهامات بتسببه في تلوث بيئي خطير وانبعاث غازات يُعتقد أنها سامة وتؤدي إلى حالات اختناق بين السكان.
وأفاد المحامي التونسي منير العدوني، في تصريحات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية، بأن المحكمة اعتبرت أن الدعوى المقدَّمة «تفتقر إلى الأدلة الفنية والعلمية»، مشيرًا إلى أن القضاء خلص إلى «عدم ثبوت الضرر» الناتج عن نشاط وحدات الإنتاج، وهو ما استند إليه في رفض طلب التعليق المؤقت للإنتاج.
ويأتي هذا القرار بعد أشهر من تصاعد الاحتجاجات الشعبية في محافظة قابس، حيث شهدت المنطقة، خلال أكتوبر الماضي، مظاهرات واسعة شارك فيها عشرات الآلاف من السكان، عبّروا خلالها عن رفضهم لاستمرار نشاط المجمع الكيميائي، متهمين إياه بالتسبب في تلوث الهواء والبحر، وانتشار حالات اختناق، خاصة بين تلاميذ المدارس القريبة من وحدات الإنتاج، وفق شهادات محلية متطابقة.

وكان فريق الدفاع قد تقدّم بدعويين قضائيتين منفصلتين؛ الأولى تطالب بوقف مؤقت للإنتاج إلى حين البت النهائي في ملف إغلاق المصنع، فيما تتعلق الدعوى الثانية بتفكيك الوحدات الصناعية الملوِّثة. وأوضح المحامي العدوني أن القضية الثانية لا تزال قيد المتابعة، دون تحديد موعد رسمي لعقد جلسة النظر فيها حتى الآن.
وفي موازاة المسار القضائي، أعلن مجلس إدارة مجموعة البنك الأفريقي للتنمية، في نهاية يناير الماضي، الموافقة على تمويل بقيمة 110 ملايين دولار أمريكي لدعم مشروع تطوير البيئة وإعادة تأهيل وحدات الإنتاج التابعة للمجمع الكيميائي التونسي، في خطوة تهدف – وفق الجهات الرسمية – إلى الحد من الانبعاثات وتحسين الأداء البيئي للمصنع.
ويُذكر أن السلطات التونسية أنشأت «المجمّع الكيميائي التونسي» عام 1972 على شاطئ قابس، ليكون أحد أعمدة صناعة الأسمدة في البلاد، إلا أن نشاطه تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مصدر قلق متزايد للسكان والمنظمات البيئية، بسبب تراكم التلوث البحري والهوائي، الناتج عن مخلفات إنتاج الأسمدة من مادة الفوسفات.
وتقوم وحدات المجمع بإلقاء مخلفات صلبة تُعرف بـ«الفوسفوجيبس»، تحتوي على معادن ثقيلة، في البحر وعلى الشاطئ، ما تسبب – بحسب تقارير بيئية – في تدهور المنظومة البيئية الساحلية وتراجع الأنشطة المرتبطة بالصيد والسياحة.
ورغم تعهّد الحكومة التونسية، في عام 2017، بوقف نشاط المجمع وتفكيكه تدريجيًا، فإن تلك الوعود لم تُنفذ حتى الآن، في ظل اعتبارات اقتصادية تتعلق بأهمية الفوسفات، الذي يُعد من أبرز الثروات الطبيعية في البلاد، وركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، كلّف الرئيس التونسي قيس سعيّد فريق عمل بإيجاد حلول عاجلة لأزمة التلوث في قابس، على أن تُستكمل لاحقًا بحلول استراتيجية طويلة المدى. وتسعى السلطات، في الوقت نفسه، إلى زيادة إنتاج الأسمدة في قابس إلى خمسة أضعاف بحلول عام 2030، ليصل إلى نحو 14 مليون طن سنويًا، وهو ما يضع تحديًا كبيرًا أمام تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة.