مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

الجزائر.. أربعة أفلام قصيرة تفتتح ليالي رمضان السينمائية بالمركز الوطني للسينما

نشر
الأمصار

احتضن المركز الوطني للسينما بالجزائر العاصمة، سهرة الأربعاء إلى الخميس، عرض أربعة أفلام قصيرة ضمن العدد الأول من الدورة الخاصة بالفيلم القصير التي ينظمها بمناسبة شهر رمضان، في مبادرة ثقافية تراهن على إعادة بعث تقليد المشاهدة الجماعية والنقاش الفني خلال ليالي الشهر الفضيل.

وشهدت قاعة العروض التابعة للمركز حضورًا لافتًا من مهتمين ومحبي الفن السابع، حيث تابعوا أعمالًا تنوّعت مواضيعها بين الاجتماعي والإنساني، لكنها التقت عند سؤال الهشاشة التي تعترض الإنسان في منعطفات حياته، سواء كانت نفسية أو مرضية أو عائلية أو حتى مرتبطة بالذاكرة.

في فيلم “الصفحة البيضاء” (17 دقيقة)، ينقل المخرج محمد نجيب العمراوي قصة كاتب يرزح تحت وطأة ما يُعرف بـ”متلازمة الصفحة البيضاء”، فيفقد القدرة على الكتابة ويغرق في صمت إبداعي خانق. تتفاقم أزمته حين يصطدم بمحيط اجتماعي لا يستوعب تعقيدات حالته النفسية، فيتحول العجز عن الكتابة إلى صراع داخلي حاد بين الرغبة في البوح والعجز عنه، وتغدو الصفحة الفارغة مرآة لوحدة قاسية لا تُرى بالعين.

أما مراد قشود، ففي فيلمه “البرية” (20 دقيقة)، فيسلّط الضوء على التجربة النفسية العصيبة التي يمر بها مريض السرطان، متوقفًا عند ما يرافق المرض من خوف وقلق وإحساس بالهشاشة. ويكشف العمل عن البعد الإنساني العميق لهذه التجربة، حيث يصبح الألم النفسي مكوّنًا أساسيًا من المعاناة، لا يقل ثقلًا عن الألم الجسدي، وكأن المرض لا يهاجم الجسد فقط، بل يعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته وبمن حوله.

ومن زاوية اجتماعية، عالج نجيب أولبصير في فيلمه “بلا بيكم” (25 دقيقة) ظاهرة الهجرة بوصفها جرحًا صامتًا داخل الأسرة، مصوّرًا التحولات النفسية والاجتماعية التي تخلّفها عند الآباء والأمهات. فالهجرة هنا ليست مجرد انتقال جغرافي، بل اهتزاز في الروابط العائلية، وتبدّل في موازين الحضور والغياب، حيث يصبح البُعد مسافة شعورية بقدر ما هو مسافة مكانية.

وفي منحى توثيقي، استعاد فيلم “بوعلام سمع كلش” (17 دقيقة) للمخرجين عزيز بوكروني وخالد بوناب مسار شخصية “بوعلام بوخوفان”، الذي عمل لسنوات طويلة في “سينماتيك الجزائر”، وواكب التحولات التي عرفتها. وقد قدّم العمل شهادة حية عن مرحلة من تاريخ القاعات السينمائية، مستحضرًا ذاكرة رجل عاش السينما من خلف الكواليس، وظل وفيًا لها في زمن تغيّرت فيه العادات والوجوه.

وعقب العروض، فُتح نقاش مباشر بين المخرجين والجمهور حول ظروف إنجاز الأعمال، حيث أوضح المتدخلون أن بعض الأفلام أُنجز بدعم من وزارة الثقافة والفنون، فيما جاء بعضها الآخر في إطار إنتاج مستقل. وأكدوا أنهم سعوا إلى تحقيق “توازن دقيق” بين المضمون المطروح وخياراتهم الفنية من جهة، والإمكانات المادية والتقنية المتاحة من جهة أخرى، مع الاعتماد على روح العمل الجماعي لتجاوز محدودية الموارد.

كما تطرقوا إلى التحديات التي تواجه الفيلم القصير، بدءًا من بلورة الفكرة والكتابة المكثفة، مرورًا بالتحضير الفني والتقني، وصولًا إلى مرحلتي التصوير والمونتاج، مبرزين أن هذا الشكل السينمائي يفرض تكثيفًا سرديًا وجماليًا في زمن محدود، ما يتطلب دقة كبيرة في الاشتغال وحساسية عالية في اختيار التفاصيل.

وفي ختام اللقاء، شدد المخرجون على أهمية التفكير في آليات توزيع هذه الأعمال داخل الوطن وخارجه، حتى تحظى بفرصة أوسع للوصول إلى الجمهور، وتسهم في التعريف بالتجربة السينمائية الجزائرية المعاصرة، التي تواصل البحث عن لغتها الخاصة وسط واقع إنتاجي صعب، لكنها مفعمة بالرغبة في الحكي.