مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

ما حدود تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل العربية؟

نشر
الأمصار

يشهد العالم في العقد الحالي تسارعًا غير مسبوق في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد هذه التكنولوجيا حكرًا على الشركات الكبرى أو المراكز البحثية، بل أصبحت جزءًا من الحياة اليومية للأفراد والمؤسسات. وتشير تقديرات حديثة إلى أن ما يقرب من شخص من كل ستة أشخاص عالميًا يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، في مؤشر واضح على اتساع رقعة الاعتماد على هذه التقنيات. وفي المنطقة العربية، تتسابق الحكومات لتعزيز استثماراتها في هذا المجال، إدراكًا لأهميته في رفع معدلات النمو وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، غير أن هذا التوسع يطرح تساؤلات جوهرية حول انعكاساته على سوق العمل.

مؤشرات تبني الذكاء الاصطناعي في المنطقة

تعكس بيانات انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي بين السكان في عدد من الدول العربية تفاوتًا ملحوظًا في مستويات الاستخدام. فقد سجلت دول الخليج معدلات مرتفعة نسبيًا، إذ ارتفع معدل استخدام الذكاء الاصطناعي في الإمارات العربية المتحدة خلال النصف الثاني من عام 2025 مقارنة بالنصف الأول من العام ذاته، كما شهدت قطر والسعودية وعُمان زيادات ملموسة في نسب الاستخدام. ويُعزى ذلك إلى قوة البنية التحتية الرقمية، وارتفاع معدلات الاتصال بالإنترنت، والاستثمارات الحكومية المكثفة في التحول الرقمي.

في المقابل، ما تزال بعض الدول العربية تسجل نموًا أبطأ في تبني الذكاء الاصطناعي، نتيجة تحديات اقتصادية أو سياسية أو ضعف البنية التكنولوجية. ويشير هذا التباين إلى اتساع فجوة رقمية داخل الإقليم، قد تنعكس بدورها على فرص العمل وجودتها في السنوات المقبلة.

الجاهزية الرقمية والفجوة المتزايدة

لا يرتبط تأثير الذكاء الاصطناعي فقط بمعدل استخدامه بين الأفراد، بل أيضًا بمدى جاهزية الحكومات والمؤسسات لتوظيفه بكفاءة. ويقيس مؤشر الجاهزية الرقمية عناصر مثل البنية التحتية، والاستثمار في البحث والتطوير، وبيئة الابتكار. وتتصدر السعودية والإمارات ومصر وقطر وعُمان ترتيب هذا المؤشر عربيًا، ما يمنحها قدرة أكبر على دمج الذكاء الاصطناعي في قطاعاتها الاقتصادية.

في المقابل، تعاني دول أخرى من فجوات واضحة في هذا المجال، ما قد يؤدي إلى تعميق التفاوت في معدلات النمو وفرص العمل بين الدول العربية. فكلما ارتفعت الجاهزية الرقمية، زادت قدرة الاقتصاد على استيعاب التحولات التكنولوجية وتوليد وظائف جديدة، والعكس صحيح.

سوق العمل العربي بين تحديات هيكلية وضغوط تكنولوجية

تعاني أسواق العمل العربية أصلًا من اختلالات هيكلية، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب وخريجي الجامعات، إلى جانب اتساع القطاع غير الرسمي الذي يوفر وظائف تفتقر إلى الاستقرار والحماية الاجتماعية. ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى بيئات العمل، تتضاعف الضغوط على هذه الأسواق.

فالتقارير الدولية تتوقع أن يشهد العالم فقدان ملايين الوظائف خلال السنوات القليلة المقبلة نتيجة الأتمتة، مقابل خلق وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يُتوقع أن تشهد نسبة معتبرة من الوظائف تغييرات جذرية في طبيعتها خلال خمس سنوات فقط، ما يعني أن التأثير لن يكون محدودًا أو تدريجيًا، بل سريعًا ومباشرًا.

الأتمتة وإزاحة الوظائف الروتينية

من أبرز التأثيرات المحتملة للذكاء الاصطناعي إزاحة عدد كبير من الوظائف الروتينية والمتكررة، سواء في القطاعين العام أو الخاص. فالوظائف الإدارية التقليدية، وإدخال البيانات، وبعض أعمال المحاسبة والترجمة، إضافة إلى المهام المكتبية المتكررة، تُعد من أكثر المجالات عرضة للأتمتة.

وفي القطاع المالي والمصرفي، يتوقع أن تتراجع الحاجة إلى بعض الوظائف مثل الصرافين وموظفي العمليات، نتيجة الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية والخدمات الرقمية. كما تشهد الخدمات اللوجستية والتصنيع توجهًا نحو استخدام الروبوتات والأنظمة المؤتمتة، ما يقلل الاعتماد على العمالة اليدوية في بعض المهام.

غير أن هذا التأثير لا يعني اختفاء الوظائف بالكامل، بل تحولها في كثير من الحالات إلى أدوار إشرافية أو تحليلية تتطلب مهارات أعلى، ما يضع مسألة إعادة التأهيل في صدارة الأولويات.

البطالة الهيكلية وفجوة المهارات

أحد أخطر تداعيات الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية يتمثل في تعميق البطالة الهيكلية، خاصة في ظل فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. فالعديد من خريجي الجامعات يتوجهون تقليديًا نحو الوظائف الحكومية، في حين يتطلب القطاع الخاص مهارات تقنية وعملية متقدمة لا تتوافر بالقدر الكافي.

وتشير تقديرات إلى أن نسبة المواهب الرقمية في المنطقة لا تزال محدودة مقارنة بالمعدلات العالمية، ما يضعف قدرة الاقتصادات العربية على الاستفادة الكاملة من التحول الرقمي. ومع تسارع الأتمتة، قد تتراجع فرص أصحاب المهارات المتوسطة، بينما يزداد الطلب على المتخصصين في تحليل البيانات، والبرمجة، وإدارة الأنظمة الذكية.

تباين القطاعات بين الإزاحة والتعزيز

لا تتأثر جميع القطاعات بالقدر نفسه. فالقطاعات المعتمدة على التفاعل الإنساني المباشر، مثل الرعاية الصحية والتعليم، تُعد أقل عرضة للإزاحة الكاملة، نظرًا لصعوبة استبدال البعد الإنساني فيها. بل إن الذكاء الاصطناعي قد يعمل فيها كأداة دعم لتحسين الكفاءة ودقة التشخيص أو تطوير أساليب التعلم.

أما في قطاعات البناء والتشييد، فتظل قابلية الأتمتة محدودة نسبيًا في بعض الأنشطة، رغم دخول تقنيات متقدمة في إدارة المشاريع والتخطيط. وعلى النقيض، تبدو الصناعات كثيفة العمالة أكثر عرضة للتأثر، خاصة في مجالات التصنيع والخدمات اللوجستية، حيث يمكن للأنظمة الذكية أن تنفذ نسبة كبيرة من المهام.

وظائف جديدة وفرص ناشئة

في مقابل مخاطر الإزاحة، يفتح الذكاء الاصطناعي الباب أمام صناعات ووظائف جديدة. فتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، وخدمات الحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، والروبوتات، والمركبات ذاتية القيادة، كلها مجالات مرشحة للنمو في المنطقة العربية، خاصة في الدول ذات الجاهزية الرقمية المرتفعة.

وتظهر بالفعل وظائف مثل محللي البيانات، ومهندسي تعلم الآلة، ومدربي النماذج الذكية، ومشرفي الأتمتة. كما تزداد الحاجة إلى خبراء في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وإدارة المخاطر التقنية. ويعني ذلك أن الأثر الصافي لهذه التكنولوجيا يعتمد على قدرة الاقتصادات على خلق وظائف أسرع مما تفقده، وعلى سرعة إعادة تأهيل العمالة.

سياسات مطلوبة لإدارة التحول

أمام هذه التحولات، يصبح الدور الحكومي محوريًا في إدارة الانتقال. فإصلاح نظم التعليم لتضمين المهارات الرقمية، وتعزيز برامج التدريب المستمر، وتوسيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، كلها خطوات ضرورية لتقليص فجوة المهارات.

كما أن تطوير سياسات للحماية الاجتماعية وإعادة توزيع الفرص سيساعد في تخفيف الآثار السلبية قصيرة المدى. فدون تدخلات مدروسة، قد يتحول التحول التكنولوجي إلى مصدر لتفاقم البطالة والتفاوت الاجتماعي، بدلًا من أن يكون محركًا للنمو والازدهار.

خلاصة المشهد

يتضح أن الذكاء الاصطناعي يمثل سيفًا ذا حدين بالنسبة لسوق العمل العربية. فهو من جهة يَعِد بزيادة الإنتاجية وخلق صناعات جديدة، ومن جهة أخرى يهدد بإزاحة وظائف تقليدية وتعميق فجوة المهارات. وسيعتمد المسار النهائي على مدى جاهزية الدول العربية للاستثمار في رأس المال البشري، وتبني سياسات مرنة قادرة على مواكبة التحول السريع.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل الذكاء الاصطناعي من قوة إزاحة إلى قوة تمكين، بما يضمن الحفاظ على العائد الديموغرافي للمنطقة، وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة في عصر تتسارع فيه وتيرة التغيير.