المنطقة الميتة.. أربع سنوات من حرب غيّرت وجه أوروبا
في فجر الرابع والعشرين من فبراير 2022، استيقظ العالم على مشاهد تقدم القوات الروسية نحو العاصمة الأوكرانية كييف، في أكبر مواجهة عسكرية تشهدها القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.
ما بدأ كعملية عسكرية خاطفة، كانت موسكو تراهن على حسمها خلال أيام، تحوّل إلى حرب استنزاف طويلة أعادت رسم الخرائط العسكرية والسياسية والاقتصادية لأوروبا، وخلّفت وراءها ما بات يُعرف بـ«المنطقة الميتة»؛ شريط واسع من الأراضي المدمرة الممتدة على خطوط التماس، حيث يصعب العيش أو الزراعة أو حتى الحركة بأمان.
تحول الأهداف وتبدل مسار المعركة
عند انطلاق العمليات، كان الهدف الروسي المعلن «نزع السلاح واجتثاث النازية»، بينما رأى مراقبون أن موسكو سعت إلى إسقاط حكومة فولوديمير زيلينسكي وتنصيب قيادة موالية لها. إلا أن المقاومة الأوكرانية، المدعومة بتدفقات كبيرة من السلاح والمعلومات الاستخباراتية الغربية، أفشلت محاولة السيطرة السريعة على كييف، وأجبرت القوات الروسية على إعادة التموضع في الشرق والجنوب.
وبمرور الوقت، تراجعت المناورات الواسعة لصالح معارك ثابتة على خطوط تماس طويلة في دونيتسك ولوهانسك وزابوريجيا وخيرسون، حيث باتت الطائرات المسيّرة والمدفعية بعيدة المدى السلاح الأبرز. وتحولت الحرب إلى صراع استنزاف يعتمد على إنهاك الخصم بشريًا واقتصاديًا، أكثر من تحقيق اختراقات ميدانية حاسمة.
المنطقة الميتة.. إرث بيئي ثقيل
أفرزت المعارك المتواصلة شريطًا بطول يقارب 800 ميل من الأراضي الملوثة بالألغام والذخائر غير المنفجرة. هذه المساحات، التي أطلق عليها السكان «المنطقة الميتة»، تعيق عودة المدنيين إلى قراهم، وتمنع استئناف النشاط الزراعي في واحدة من أهم سلال الخبز في العالم.
تقديرات أممية تشير إلى تلوث عشرات الآلاف من الأميال المربعة بمخلفات الحرب، ما يجعل عمليات التطهير تستغرق عقودًا، خصوصًا في الأراضي الزراعية الخصبة جنوب وشرق البلاد. وقد سُجلت مئات الإصابات والوفيات جراء انفجار ذخائر لم تُفكك بعد، في مؤشر إلى أن تكلفة الحرب ستظل قائمة حتى بعد توقف القتال.
سد كاخوفكا.. كارثة المياه والتهجير
في يونيو 2023، تعرض سد كاخوفكا لانفجار ضخم أدى إلى فيضان واسع في مجرى نهر دنيبر السفلي. الحادثة، التي تبادل الطرفان الاتهامات بشأنها، أسفرت عن تشريد آلاف السكان وتدمير مساحات زراعية واسعة، فضلًا عن تأثيرات بيئية عميقة على النظام المائي في جنوب أوكرانيا.
أدى انهيار السد إلى تراجع منسوب المياه في الخزان الذي كان يغذي قنوات الري ومحطات الطاقة، ما فاقم أزمة الزراعة والطاقة في آن واحد. كما حذرت تقارير بيئية من تلوث المياه بمواد كيميائية ومخلفات صناعية جرفتها السيول.
شبح نووي دائم في زابوريجيا
منذ سيطرة القوات الروسية في 2022 على محطة زابوريجيا للطاقة النووية، الأكبر في أوروبا، ظل القلق الدولي حاضرًا بشأن مخاطر وقوع حادث نووي. تضم المحطة ستة مفاعلات، وتعرضت محيطاتها مرارًا لقصف متبادل، ما أثار تحذيرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ورغم عدم تسجيل تسرب إشعاعي كبير حتى الآن، فإن استمرار القتال قرب منشأة نووية بهذا الحجم يمثل سابقة خطيرة في النزاعات الحديثة، ويضع المجتمع الدولي أمام تحدي ضمان أمن المنشآت الحساسة في مناطق الحروب.
خسائر اقتصادية بمئات المليارات
لم تقتصر التداعيات على الميدان العسكري والبيئي، بل امتدت إلى الاقتصادين الروسي والأوكراني. فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلفاؤهما حزمًا غير مسبوقة من العقوبات على موسكو، استهدفت البنوك وقطاع الطاقة والتكنولوجيا. وتشير تقديرات إلى أن روسيا خسرت مئات المليارات من الدولارات نتيجة القيود المالية وتراجع الاستثمارات الأجنبية.
في المقابل، ضاعفت موسكو إنفاقها العسكري، ليشكل نسبة كبيرة من الموازنة العامة، في مسعى للحفاظ على زخم العمليات وتعويض الخسائر في العتاد. هذا التحول نحو «اقتصاد الحرب» انعكس على قطاعات مدنية عدة، وفرض ضغوطًا تضخمية داخلية.
أما أوكرانيا، فقد انكمش اقتصادها بشكل حاد في العام الأول للحرب، مع تدمير بنى تحتية حيوية، وتراجع الإنتاج الصناعي والزراعي. ورغم الدعم المالي الغربي، لا يزال الاقتصاد الأوكراني دون مستواه قبل الحرب، فيما تعتمد كييف على المساعدات والقروض لتسيير شؤونها الأساسية وإعادة الإعمار الجزئي.
نزيف بشري غير مسبوق
على الصعيد البشري، تُعد هذه الحرب الأكثر كلفة لروسيا منذ عقود. تقارير مراكز بحثية غربية تشير إلى مقتل مئات الآلاف من الجنود الروس، إضافة إلى مئات الآلاف من الجرحى والمفقودين. ويعكس هذا الرقم حجم المعارك العنيفة التي دارت في مدن مثل باخموت وأفدييفكا، حيث تبادل الطرفان السيطرة مرات عدة.
في أوكرانيا، أعلنت السلطات أرقامًا متباينة بشأن الخسائر العسكرية، لكن المؤكد أن البلاد فقدت عشرات الآلاف من جنودها، إضافة إلى سقوط آلاف المدنيين جراء القصف الصاروخي والطائرات المسيّرة. وتسببت الحرب كذلك في موجة نزوح ضخمة، إذ غادر ملايين الأوكرانيين بلادهم نحو دول الاتحاد الأوروبي، فيما نزح آخرون داخليًا بعيدًا عن جبهات القتال.
توازن ردع أم حرب مفتوحة؟
بعد أربع سنوات، لم يتمكن أي طرف من تحقيق نصر حاسم. تسيطر روسيا على نحو خمس الأراضي الأوكرانية، بينما تواصل كييف شن هجمات مضادة محدودة بدعم غربي. ويبدو أن خطوط التماس تحولت إلى ما يشبه جبهة ثابتة، تتخللها ضربات متبادلة بعيدة المدى تستهدف منشآت الطاقة والبنية التحتية.
سياسيًا، عززت الحرب تماسك حلف شمال الأطلسي، ودفعته إلى توسيع عضويته، في حين عمّقت عزلة موسكو عن الغرب، رغم احتفاظها بعلاقات وثيقة مع قوى آسيوية وأفريقية. وبينما تتعثر مساعي الوساطة، يبقى شبح التصعيد حاضرًا، سواء عبر توسيع نطاق الضربات أو استخدام أسلحة أكثر تطورًا.
مستقبل غامض وإرث طويل الأمد
أربع سنوات من الحرب تركت وراءها منطقة مدمرة بيئيًا، واقتصادين مثقلين بالأعباء، ومجتمعين أنهكهما النزيف البشري. حتى لو توقفت العمليات غدًا، فإن إزالة الألغام، وإعادة إعمار المدن، وإعادة دمج ملايين النازحين، ستستغرق سنوات طويلة وربما أجيالًا.
لقد غيّرت هذه الحرب معادلات الأمن الأوروبي، وأعادت منطق الصراع التقليدي بين الجيوش النظامية إلى قلب القارة. وبينما يترقب العالم مآلات المواجهة بين موسكو وكييف، يبقى الثابت أن «المنطقة الميتة» ليست مجرد توصيف جغرافي، بل رمز لكلفة إنسانية وبيئية وسياسية ستظل حاضرة في ذاكرة أوروبا لعقود مقبلة.