اشتباكات جنزور تصعّد الضغوط على حكومة الوحدة الليبية
تفاقمت حدة الانتقادات في ليبيا عقب الاشتباكات المسلحة التي شهدتها مدينة جنزور، غرب العاصمة طرابلس، ما أعاد إلى الواجهة ملف نفوذ التشكيلات المسلحة في غرب البلاد، وطرح تساؤلات جديدة بشأن قدرة المؤسسات الرسمية على فرض سيادة القانون.
وشهدت مدينة جنزور، الواقعة على بُعد نحو 12 كيلومتراً غرب طرابلس، مواجهات مسلحة بين عناصر من «القوة المشتركة – جنزور» ومسلحين موالين لمنير السويح، على خلفية حادثة اختطاف متبادلة، وفق ما أفادت به تقارير محلية.
وأسفرت الاشتباكات عن حالة من الذعر بين السكان بعد إطلاق نار كثيف داخل سوق الخضار، قبل تدخل الكتيبتين 52 و55 وعودة هدوء نسبي إلى المنطقة.
بيان رئاسة الأركان وانتقادات حقوقية
وأصدرت رئاسة الأركان التابعة لـ«حكومة الوحدة الوطنية» الليبية، التي يرأسها رئيس الحكومة الليبي عبد الحميد الدبيبة، بياناً أعربت فيه عن رفضها «الأعمال العدائية التي نفذتها عناصر خارجة عن القانون»، مؤكدة أن ما جرى لا يعكس انضباط المؤسسة العسكرية، مع التعهد بمحاسبة المتورطين وفق القانون.
ويقود رئاسة الأركان في غرب ليبيا الفريق الليبي صلاح النمروش، الذي شدد على أن الأحداث تمثل خروجاً صارخاً عن النظام العسكري. غير أن هذا البيان لم يهدئ موجة الانتقادات، إذ اعتبرت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» في ليبيا، على لسان رئيسها الليبي أحمد حمزة، أن الموقف ينطوي على تنصل من المسؤولية القانونية، محذرة من أن غياب إعلان صريح بفتح تحقيق يعزز ثقافة الإفلات من العقاب.
كما حمّلت منظمة «رصد الجرائم في ليبيا» حكومة الوحدة المسؤولية القانونية عن حماية المدنيين، مطالبة النائب العام الليبي بفتح تحقيق عاجل وشفاف، واتخاذ تدابير فورية تحول دون تكرار تحويل الأحياء السكنية إلى ساحات قتال.
ورأى وزير الدفاع الليبي الأسبق محمد البرغثي أن ما جرى في جنزور لم يعد حدثاً استثنائياً، بل بات أمراً متكرراً في ظل تمدد نفوذ المجموعات المسلحة في غرب ليبيا، معتبراً أن الحديث عن انضباط عسكري داخل هذه التشكيلات يظل صعب التحقيق، بسبب طبيعتها غير النظامية.

وتزامنت هذه التطورات مع تحركات دولية لاحتواء الأزمة الليبية، حيث دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى ضرورة انخراط الأطراف الليبية في مسار سلمي شامل، وذلك خلال أعمال القمة الـ39 للاتحاد الأفريقي المنعقدة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
في المقابل، يواصل «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر فرض نفوذه في شرق البلاد وأجزاء من الجنوب، بينما تنتشر في الغرب تشكيلات مسلحة تعمل رسمياً تحت مظلة مؤسسات أمنية تابعة لحكومة الوحدة، في مشهد يعكس استمرار الانقسام العسكري والسياسي.
ولا تقف تداعيات الاشتباكات عند حدود الأمن فقط، إذ تتزامن مع أزمة اقتصادية متفاقمة. فقد شهد الدينار الليبي تراجعاً ملحوظاً أمام الدولار في السوق الموازية، وسط جدل حول سياسات مصرف ليبيا المركزي، الذي يواجه انتقادات بشأن تعامله مع المضاربات في سوق الصرف.
ويحذر مراقبون من أن استمرار المواجهات المتقطعة بين التشكيلات المسلحة في مدن غرب ليبيا، مثل طرابلس والزاوية وجنزور، يفاقم حالة عدم الاستقرار، ويؤثر مباشرة على حياة المدنيين، من خلال تعطيل الخدمات وإغلاق الطرق وتعميق الشعور العام بانعدام الأمان.
وتعالت أصوات حقوقية وشعبية تطالب بضرورة إجراء تحقيقات شفافة ومحاسبة المسؤولين، باعتبار أن تكرار الاشتباكات في مناطق سكنية يهدد السلم الاجتماعي ويقوض الثقة في مؤسسات الدولة.
ويرى محللون أن معالجة الأزمة تتطلب إرادة سياسية حقيقية لإعادة هيكلة القطاع الأمني، ودمج التشكيلات المسلحة في مؤسسات عسكرية نظامية، أو تفكيكها بشكل قانوني، إلى جانب مسار سياسي شامل يضع حداً لحالة الانقسام المستمرة منذ سنوات.
وبين بيانات الإدانة الرسمية ومطالب الشارع بالمحاسبة، تبقى جنزور نموذجاً مصغراً لتعقيدات المشهد الليبي، حيث يتداخل الأمني بالسياسي والاقتصادي، في انتظار خطوات عملية تعيد الاعتبار لسلطة الدولة وتحمي المدنيين من تكرار مشاهد العنف داخل أحيائهم السكنية.